من أكثر ما يلفت النظر في القرآن الكريم، احتفاء القرآن بالمبادرين إلى الخير والمسارعين إليه..
في القرآن عددٌ من الناس لم يفعل شيئا إلا أنه "بادر" إلى الخير، وسارع إليه دون أن يطلبه منه أحد..
هذا الذي جاء من أقصى المدينة ليُبْلِغ موسى أنه صار شخصا مطلوبا للنظام الفرعوني.. لا نعرف عنه شيئا غير هذا.. وبهذا الفِعْل وحده خلد في القرآن الكريم، فلا نزال بعد ثلاثة آلاف سنة نتلو قصته ونتعبد بها!
وهذا الذي جاء من أقصى المدينة -أيضا- ليقول لقومه "اتبعوا المرسلين".. الغريب في شأن هذا الرجل أنه بادر إلى نصيحة قومٍ لم يهتدوا بموعظة ثلاثة رسل!!!!
لو تأملتَ في هذه الحالة ستتعجب جدا.. ولست أظن أن أحدنا يمكن أن ينهض لدعوة شخص أو بلد قد تصدى للدعوة فيها ثلاثة من كبار الدعاة والعلماء في عصرنا.. هذا الرجل نهض لينصح قوما قد تصدى لهم ثلاثة رسل ولم يهتدوا!!
هذا الرجل.. استغرق القرآن في حكاية قصته عشر آيات.. بينما الرسل الثلاثة معا استغرق القرآن في حكايتهم خمس آيات فقط!!.. فتأمَّل احتفاء القرآن بأهل المبادرة!!
كذلك، ترى القرآن الكريم ذَكَر رجليْن من بني إسرائيل، اثنيْن فحسب، نهضا لنصح قومهما بدخول الأرض المقدسة وخوض المعركة.. من بين الآلاف، توقف القرآن ليذكر نبأ الرجليْن، ووصفهما بهذا الوصف الذي يتمناه كل مسلم "يخافون، أنعم الله عليهما"!
وتأمل في احتفاء القرآن بمؤمن آل فرعون.. ذلك الذي يكتم إيمانه، ثم انطلق يتحدث في اجتماع النظام الفرعوني بنصيحة قومه.. حتى إن السورة التي ذُكِر فيها تُسَمَّى باسمه.. سورة غافر من أسمائها: سورة المؤمن، أي مؤمن آل فرعون..
في هذه السورة لم تستغرق قصة سيدنا موسى نفسه ما استغرقته قصة هذا الرجل المؤمن، إذ طفق القرآن يحكي أقواله ونصحه وبيانه لقومه، حتى ختم القصة بأنه نجا.. {فوقاه الله سيئات ما مكروا، وحاق بآل فرعون سوء العذاب}
كثيرة هي المواقف التي تستحق أن تُذْكَر في كتاب منفرد، ويُستفاض في تأملها..
وأعجبُ من كل ما سبق أن القرآن احتفى بمن بادروا ولو كانوا من غير البشر!!.. الحيوانات والطيور والحشرات.. هل تصدق؟!!
نعم.. كلب أهل الكهف.. ذُكِر في القرآن وليس له شيء إلا أنه بادر فصحب أهل الكهف المؤمنين.. فخلد بهم ومعهم في كتاب الله!!. هل تتخيل؟!!
هدهد سليمان.. لم يذكر في القرآن إلا لأنه بادر فجاء بالأنباء عن قوم سبأ الذين يعبدون الشمس.. لم يكلفه بذلك أحد، وإنما جاء به من تلقاء نفسه .. ثم قال لنبي الله سليمان: {أحطتُ بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين}
النملة.. تصور يا أخي الحبيب.. نملة لم تفعل شيئا إلا أنها بادرت إلى نصح قومها، فذكرها الله في كتابه.. نملةٌ منصفة وقفت تقول: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم، لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون}.
ألم أقل لك.. يحتاج الموضوع إلى كتاب منفرد في المبادرة بالخير والمسارعة في الحق..
وكلما كان عمل الخير عظيما، كان ثوابه عند الله أعظم..
وتأمل.. نحن لم نفعل إلا مرورا على القرآن.. فأما حديث السنة والسيرة وأخبار الصحابة والتابعين.. فبحرٌ واسع..
أبو بكر الذي جاء في اليوم الثاني لإسلامه بخمسة من المبشرين بالجنة.. وبادر فتصدق بماله كله في جيش العسرة.. وعمر الذي تصدق بنصف ماله..
وابن مسعود الذي خاطر بحياته لإسماع قريش القرآن في ناديهم..
والبراء الذي ألقى بنفسه في حديقة الموت في حرب اليمامة ليفتح الباب..
وسالم بن عمير.. وعمير بن عدي.. سأترك لك البحث عما فعلوه، نصرة لله ورسوله..
وتعرف لا شك قصة "صاحب النقب".. إن لم تعرفها فابحث عنها..
وتأمل في "سيد الشهداء".. ذلك الذي قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله.. انظر كيف بادر إلى المهمة العظيمة الخطر، والتي كان له فيها مندوحة.. انظر المقام الرفيع الذي بلغه..
وهكذا.. بادر إلى الخير، وسارع إلى الحق.. لا تنتظر تكليفا ولا اقتراحا ولا أمرا..
وكلما كان الخير أعظم، كان الأجر أكبر، وكان الثواب أجزل..
والله يوفقك ويرعاك..
المصدر:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق