ملخص:
أثارت مسألة الإفراج عن الشاب السجين علاء عبد الفتاح من عدمه جدلا قفز بملف حقوق الإنسان في مصر إلى الواجهة. المعنيون بالملف في مؤسسات وجمعيات حقوق الإنسان في الداخل والخارج تجاهلوا أن البيروقراطية المصرية، وسط أنواء إرهاب غادر، عرقلت تنفيذ تعليمات للرئيس عبد الفتاح السيسي في 2016 بعرض تعديلات تشريعية على مجلس النواب تكفل حسن معاملة جهاز الشرطة للمواطنين.
النص الكامل:
في نوفمبر الماضي شهدت مصر أثناء استضافة مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغيّر المناخ صخبا تمحور حول مدى أحقية الشاب علاء عبد الفتاح الذي يقضي حكما بالسجن لعدة سنوات في الحصول على عفو رئاسي أو إفراج صحي أو حتى خروجه إلى بريطانيا التي حصل على جنسيتها وهو قيد الحبس. ساهم في إثارة المزيد من الجدل حول علاء عبد الفتاح خصوصا وحقوق الإنسان في مصر عموما المؤتمر الصحفي لشقيقته سناء في شرم الشيخ وزخم مداخلة عضو مجلس النواب عمرو درويش وتوابعها إضافة إلى دعوات التظاهر في يوم الجمعة 11نوفمبر2022 التي روجها أنصار جماعة الإخوان "المسلمين" من الخارج.
في 28سبتمبر2022 نشر موقع مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ورقة موقف تحت عنوان (قمة المناخ وأزمة حقوق الإنسان في مصر) جاء فيها: "تشهد مصر، منذ قرابة عقدٍ كامل، تحديدًا منذ تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة عام 2013، واحدة من أشد أزمات حقوق الإنسان في تاريخها الحديث" [1] وهو صدى لما ورد في رسالة مجموعة العمل الأمريكية على مصر إلى الرئيس الأمريكي بايدن في 12يوليو2022 "يحكم السيسي مصر بمستويات مفزعة من القمع" والتي نشرها موقع مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط [2].
وبغض النظر عن أنّ الرئيس السيسي تولى السلطة في يونيو2014 وليس عام 2013 فإنّ المركز والمجموعة تجاهلوا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي هو أول رئيس في تاريخ البلاد يطالب مجلس النواب بسنّ ما يلزم من تشريعات لمحاسبة كل من يتجاوز في حق المواطنين. ففي مساء الخميس 18فبراير2016 قتل رقيب شرطة سائقا في دائرة قسم شرطة الدرب الأحمر مما أسفر عن مظاهرة غاضبة أمام مديرية أمن القاهرة. كان لافتا ظهر اليوم التالي الجمعة، وهو يوم عطلة رسمية، أن يجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع وزير الداخلية طالبا وعلى لسان السفير علاء يوسف المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية [3] "إدخال بعض التعديلات التشريعية أو سنّ قوانين جديدة تكفل ضبط الأداء الأمنى فى الشارع المصرى لمحاسبة كل من يتجاوز فى حق المواطنين دون وجه حق، ووجه بعرض التعديلات التشريعية على مجلس النواب خلال ١٥ يوماً لمناقشتها" (لم يتم تنفيذ ذلك).
بعد مرور أقل من أسبوع على هذا الاجتماع اعترف الرئيس على الهواء مباشرة في مؤتمر إطلاق رؤية مصر ٢٠٣٠ بأنه غير راضٍ عن التجاوزات الأمنية قائلا [4]: "أتمنى إن البرلمان يمر و يشوف عشان فيه كلام كتير أوي ممكن نعمله ويحقق حاجات كتير يبعدنا عن الإجراء الأمني فيه حاجات كتير ممكن نعملها".
ثم بعد أقل من شهرين، اجتمع الرئيس السيسي مع وزير الداخلية و جميع مساعدي الوزير [5] ليس لمناقشة الوضع الأمني كما هي العادة وإنما لكي يؤكد "أنه يتعين ردع التصرفات غير المسؤولة لأفراد الأمن بالقانون ومُحاسبة مرتكبيها بشكل فوري. كما وجه بسرعة عرض التعديلات على مجلس النواب" (لم يتم تنفيذ ذلك أيضا).
لقد سبق للرئيس السيسي أن اشتكى علنا في المؤتمر الاقتصادي (أكتوبر2022) من عرقلة تنفيذ بعض توجيهاته بسبب البيروقراطية الحكومية والروتين الإداري. ورغم ذلك، فقد حكم القضاء بالمؤبد على رقيب شرطة الدرب الأحمر المتهم بقتل السائق [6] كما صدرت أحكام بالسجن المشدد على 3 ضباط أولهم الذي قتل الأم شيماء الصباغ (10سنوات) وثانيهم الذي قتل الشاب عفروتو (3سنوات) وثالثهم الذي قتل المسنّ مجدي مكين (3سنوات) - هذا تحسن ملموس مقارنة بما كان عليه الوضع أيام الرئيس الراحل مبارك مثلا (مقتل الشابين خالد سعيد وسيد بلال دون إحالة أي متهم للقضاء).
بل لقد نشر "أحمد شلبي" في المصري اليوم الأربعاء 18 مارس 2015 تحت عنوان "مفاجأة في تحقيقات النيابة بقضية «شيماء الصباغ»" ما يلي:
https://www.almasryalyoum.com/news/details/682767
"قالت مصادر قضائية إن نيابة قصر النيل اتهمت لواء شرطة يدعى ربيع الصيفي، وضابط ثان بتهمة إخفاء أدلة في قضية مقتل الناشطة السياسية شيماء الصباغ.
وأكدت المصادر أن النيابة اعتبرت لواء الشرطة والذي كان مسؤولا عن الفرقة، التي واجهت المتظاهرين في تلك الحادثة, متهما بإخفاء الأدلة بعد أن رفض الإفصاح عن هوية الضابط الملثم، الذي أطلق الرصاصة على الضحية، وهو نفس الاتهام، الذي تم توجيهه للضابط الثاني. كان النائب العام قد أعلن إحالة الضابط ياسين الإمام إلى محكمة الجنايات بتهمة ضرب شيماء الصباغ مما أدى إلى وفاتها"
وقد أكّد خبر تحويل ضابط كبير للتحقيق بقرار من النائب العام هشام بركات الأستاذ سيد علي الصحفي بالأهرام في برنامجه:
https://www.almasryalyoum.com/news/details/682618
وفي إبريل نشر الاسم الرباعي للضابط المتهم ورتبته في المصري اليوم "كما أحال النائب العام اللواء ربيع سعد حسن الصاوي، والمجند شريف الحسينى عبداللاه إبراهيم، لمحكمة الجنح بتهمة إعانة متهم على الفرار وإخفاء أدلة بنص المادة 145/1 ،2 من قانون العقوبات" https://www.almasryalyoum.com/news/details/701312
وفي إبريل أيضا ذكرت صحيفة الوطن أن خبير الأسلحة والذخائر المنتدب من وزارة الدفاع العقيد مهندس إيهاب عبدالرحمن، كبير مهندسين فى ورش الأسلحة فى وزارة الدفاع، هو الذي تمكن من تحديد الضابط المتهم بقتل «شيماء»، حيث أكد أن صوت الطلق الناري المسموع فى أحد مقاطع الفيديو تم إطلاقه من البندقية التى يحملها المتهم الملازم أول ياسين محمد حاتم، والمثبت بفوهتها كأس مخصص لإطلاق قنابل الغاز، حيث أكد العقيد المهندس أن الصوت الظاهر فى الفيديو ليس صوت قنابل غاز:
https://www.elwatannews.com/news/details/704692
كما نشرت المصري اليوم في شهر إبريل عن ضباط شرطة في قبضة العدالة: https://www.almasryalyoum.com/news/details/1659196
إنّ مقاومة البعض في وزارة الداخلية للتغيير الإيجابي الذي يدعو إليه الرئيس السيسي تعود إلى 3 أسباب رئيسية:
السبب الأول هو المركزية الشديدة التي تحكم عمل الوزارة لدرجة أن ضابط فض شغب لا يستطيع التصرف في الميدان إلا وفق توجيهات وأوامر قادته وليس وفق مقتضيات الموقف على الأرض. في عهد الرئيس الراحل الشهيد أنور السادات رحمه الله تم تعديل قانون الحكم المحلي وكانت إحدى مواده تمنح صلاحيات وزير الداخلية للمحافظين غير أنه تروجع عنها بعد أن هدد وزير الداخلية اللواء النبوي إسماعيل بالاستقالة كما سرد في مذكراته المنشورة تحت عنوان (النبوي إسماعيل وجذور منصة السادات) للصحفي محمود فوزي والتي أرجو أن يقرأها كل أطراف حقوق الإنسان في مصر من حقوقيين ومحامين وضباط (وفيها اعتراف الوزير بتوزيعه مع زملاءه حين كان ضابطا صغيرا منشورات تعترض على قرارات إدارية لوزير الداخلية فؤاد سراج الدين وموقفه المتسامح معهم).
السبب الثاني هو تجذر ثقافة العنف لدرجة أن وزير داخلية راحل أيام مبارك رحمهما الله صرف لمأمور قسم شرطة مائة جنيه عدا ونقدا مكافأة له على صفعه في مكتبه بالقسم لعضو مجلس شعب اعترض على تصرف قام به المأمور (قصة سمعتها). ولا يجب فصل ذلك عن أزمة انتشار العنف وسط المجتمع والتي تبرز -مثلا- في ملفات قضايا محاكم الأسرة وغيرها رغم ما يكون بين الطرفين من سابق علاقة وزواج.
السبب الثالث -وهو الأهم والأخطر- هو تبني جماعة الإخوان "المسلمين" للقتل والإرهاب منذ 2013 على الأقل. إن كلمة د.محمد بديع مرشد الجماعة على الهواء مباشرة من فوق منصة اعتصام ميدان رابعة العدوية في 5يوليو2013 بأن "سلميتنا أقوى من الرصاص" [7] لم تكن إلا تدشينا لبدء استخدام الرصاص حيثما كان عائده أفضل وأكثر فاعلية من السلمية المزعومة إذ لم يحظر الرجل استخدام الرصاص. ويؤكد ذلك تبني الجماعة لبيان "نداء الكنانة" في مايو2015 والذي بدأ بوصف "المنظومة الحاكمة" في مصر بأنها "منظومة مجرمة قاتلة، ارتكبت المنكرات كلها، وانتهكت الحرمات جميعها" قائلا "الحكام والقضاة والضباط والجنود والمفتين والإعلاميين والسياسيين، وكل من يثبت يقيناً اشتراكهم ولو بالتحريض، في انتهاك الأعراض وسفك الدماء البريئة وإزهاق الأرواح بغير حق، حكمهم في الشرع أنهم قتلة، تسري عليهم أحكام القاتل، ويجب القصاص منهم بضوابطه الشرعية" [8].
إنّ مؤسسات ونشطاء حقوق الإنسان في مصر والمهتمين بالملف في الخارج مدعوون لإعادة النظر في مواقفهم وأطروحاتهم إذا كانت حقوق الإنسان في مصر هي ما يهمهم حقا لأنّ التجاوزات الفردية هنا وهناك ستظل موجودة طالما تجاهلنا وجود جماعة ترفع منذ 1928 شعار "الموت في سبيل الله أسمى أمانينا" الذي يخالف صريح آي القرآن العظيم وصحيح أحاديث النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.
----------------------------------------------------------------------------------------------------
[1] https://cihrs.org/cop27-and-the-human-rights-crisis-in-egypt/
[2] https://pomed.org/working-group-on-egypt-letter-to-president-biden/
[3] https://www.facebook.com/AlSisiofficial/posts/1344905315535804
https://www.almasryalyoum.com/news/details/1620040
[4] https://youtu.be/hMEb6OBcTW8?t=4556 بدء من الساعة الأولى و16دقيقة
[5] https://www.facebook.com/AlSisiofficial/photos/a.855577854468555.1073741828.854868407872833/1405231812836487/?type=3&theater
[6] https://www.youm7.com/2657082
[7] https://www.youtube.com/watch?v=rEVvC0v2ewE
[8] https://arabic.cnn.com/middleeast/2015/05/29/egypt-kenana-ikhwan
No comments:
Post a Comment