قال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في كتاب القواعد الكبرى أو قواعد الأحكام في مصالح الأنام عن الوالدين: "ولا يجب على الولد طاعتهما في كل ما يأمران به ولا في كل ما ينهيان عنه باتفاق العلماء" فإن كان هذا في حق الأبوين اللذين تكون علاقتهما بالابنة أو بالابن علاقة أبديّة أزلية وقد قرنها الله في القرآن بتوحيده "وقضى ربّك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا" بل وجعل منزل الابن سكنا للأب وللأم الكبيرين في السنّ حقا عليه لهما منذ 14 قرنا تأثم زوجته إن لم تعنه على أداءه لوالديه "إمّا يبلغنّ (((عندك))) الكبرَ أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما" ففي تفسير الطبري أقدم التفاسير: "إن بلغا عندك من الكبر ما يبولان ويخرآن، فلا تقل لهما أف تقذرهما. حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين ، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد إما يَبْلُغانَّ عِندك الكبر فلا تَقُل لهما أف حين ترى الأذى، وتميط عنهما الخلاء والبول كما كانا يميطانه عنك صغيرا، ولا تؤذهما"
فإن كان ما سبق من حقوق عظيمة للأب وللأم لم تمنع اتفاق العلماء على أنه لا يجب على الأبناء طاعتهما في كل ما يأمران به ولا في كل ما ينهيان عنه فما بالنا بطاعة الزوجة لزوجها وهي علاقة قد يعتريها في أي وقت طلاق أو خلع أو لعان أو ظهار؟
في الحديث قال رجل يا رسولَ اللهِ إنَّ امرأتي لا تَرُدُّ يدَ لامِسٍ، فقال له: طَلِّقْها. فقال: إنِّي أُحِبُّها، فقال: استَمتِعْ بها وفي النووي قال: أمسكها [أي أبق عليها كزوجة لك طالما أنّك تحبّها] رواه أبو داود والنسائي وذهب إلى صحة هذا الحديث شارح صحيح البخاري الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه الشهير "التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير".
ويقول الإمام الصنعاني (توفي 1182 هجرية) في سبل السلام شارحا للحديث: فالأقرب المراد أنها سهلة الأخلاق ليس فيها نفور وحشمة عن الأجانب لا أنها تأتي الفاحشة وكثير من النساء والرجال بهذه المثابة مع البعد من الفاحشة ولو أراد به أنها لا تمنع نفسها عن الوقاع من الأجانب لكان قاذفا لها. اهــ.
في إجابته على سؤال هل يحق للزوجة أن تمتنع عن الإنجاب دون موافقة زوجها قال فضيلة الشيخ د. علي جمعة مفتي مصر الأسبق حفظه الله:
"لها أن تفعل هذا وله أن يتزوج امرأة أخرى تنجب له. حرية نعم لها أنا خايفة على جمالي يقول الإمام الغزالي وللمرأة أن تمتنع عن الحمل خوفا على جمالها.
لكن أنا عايز أقول له [أي د. علي جمعة يقول للسائل] إذا كان عندك عيل [طفل] وللا اثنين انت عايز تاني ليه فالإمام الشافعي يحذّرنا من كثرة النسل في أيام الفتن ويقول فإن كان ولا بدّ فليتزوج آيسة أو صغيرة وعلل ذلك الإمام الشافعي بالخوف على الولد من الفتنة"
بل لقد رفض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفيذ أمره لهم بأن يحلقوا رءوسهم وينحروا الأضاحي من شدّة ألمهم من بعض بنود صلح الحديبية التي منعتهم من دخول مكة لأداء العمرة لدرجة أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم كرر أمره 3 مرات دون أن يستجيب له أحد كما في صحيح البخاري ومسند أحمد (18928) وعبد الرزاق (9720) وابن المنذر في الأوسط (6274)، وابن حبان (6161).
إن هذا الحديث يردّ حتى على من يكفّرون المسلمين من بعض أعضاء جماعتي الإخوان "المسلمين" و "الدعوة السلفية" في الإسكندرية فلم يكفّر رسول الله صحابته الذين رفضوا أمره 3 مرات وإنما عمل بنصيحة أم المؤمنين السيدة أم سلمة رضي الله عنها في قولها كما في سيرة ابن إسحاق:
"يا رسول الله لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح يا نبي الله اخرج ولا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك" فحلق شعر رأسه ثم نحر أمامهم فاستجاب الصحابة حينئذ جميعا لأمره صلى الله عليه وسلم. وقد سبق أو سيأتي ذكر حديث الليثيين الشهير الذين اعترضوا علنا على قول رسول الله ونفوا اتفاقه معهم.
ولو كانت طاعة الزوجة لزوجها واجبة في كل حال لما قرأنا في صحيح البخاري هذه الواقعة أمام الضيوف فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة (إناء) فيها طعام، فَضَرَبَتِ التي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِى بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِم فسقطت الصحفة فانفلقت فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارت أمكم، ثم حبس الخادم حتى أُتِيَ بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسِرَت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كَسَرت رواه البخاري. وأخرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، قال: أظنها عائشة، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام، قال: فضربت الأخرى بيد الخادم فكسرت القصعة نصفين، قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: غارت أمكم، قال: وأخذ الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى فجعل فيها الطعام، ثم قال: كلوا فأكلوا.
في رواية سيدتنا عائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين رضي الله عنها لحادثة الإفك نلاحظ في الحديث المتفق على صحته في صحيحي البخاري ومسلم وفي مسند أحمد ولدى النسائي أمرين اثنين:
الأول أنها تحوّلت على فراشها ولعل هذا والله أعلم يعني أنها أعطت ظهرها لرسول الله ولوالديها (وهو الأرجح إن صحّ فهمي لجملة تحوّلت على فراشها) أو أنها غادرت لغرفتها مباشرة بعد أن قال لها صلى الله عليه وسلم "يا عائِشةُ؛ فإنَّه بَلَغَني عَنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً فسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وإن كُنتِ ألمَمتِ بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ وتوبي إليه" ثم ردّت عليه بعد أن لم يجد أبواها ردّا.
الثاني بعد نزول الوحي بآيات القرآن تبريء السيدة عائشة قال لها رسول الله: "يا عائِشةُ، احمَدي اللهَ فقد بَرَّأكِ اللهُ" فقالت لها أمّها أمامه: "قومي إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم" فقالت السيدة عائشة كما تروي هي رضي الله عنها عن نفسها: "لا واللهِ، لا أقومُ إليه، ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ".
ولو حصلت هذه الواقعة اليوم لربما كان لطبيبنا د. ياسر برهامي حفظه الله رئيس مجلس إدارة "الدعوة السلفية" بالإسكندرية رأي آخر ولكن نحمد الله ونشكر فضله أنّ أرسل لنا نبي الرحمة سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم. ففي يوم الأربعاء 6 يونيو 2007 - 20 جمادى الأولى 1428هـ سئل عن "زوجة تَنْفُر من زوجها خاصة في الفراش بحجة أنها متعبة ومجهدة" فقال على موقع فضيلته الرسمي صوت السلف:
"لا يجوز للمرأة أن تمتنع من فراش زوجها لمجرد التعب والإجهاد، بل لابد من وجود مرض حقيقي" فالحمد لله أن لم يشترط على الزوجة إحضار روشتة من طبيب(ة) كإثبات لكونها متعبة ومجهدة وسؤالي يا طبيبنا د. ياسر برهامي حفظه الله هو:
هل كان الصحابة متعبين أو مجهدين حين رفضوا أمر رسول الله 3 مرات بعد صلح الحديبية؟
بعد عشر سنوات أي يوم الإثنين 24 أبريل 2017 - 27 رجب 1438هـ سئل:
"لماذا الزوجة ملزمة دومًا أن تستجيب لزوجها في أي وقت، وعلى أي حال؟ أليس الشرع يراعي نفسية الزوجة كبشر وإنسانة، وأنها ليست دومًا في حالة نفسية تجعلها مريدة للمعاشرة الزوجية؟ أليس هذا يجرح شعور المرأة الإنسانة ويهينها ويجعلها تشعر أنها رخيصة أن تكون مجرد فراش للزوج حتى في أوقات ضيقها وعدم استعداد مزاجها، وبالتالي عدم استمتاعها؟"
فأجاب طبيبنا د. ياسر برهامي حفظه الله قائلا:
"ليس الأمر إهانة ولا ترخيصًا للمرأة، ولا بد أن توطـِّن نفسها على ما ألزمها به الشرع، وليس لأن مزاجها غير مهيأ في توقيت ما تمتنع مِن إعطاء حق الطرف الآخر الذي له أيضًا احتياجات قد يكون عدم إعطائها له سببًا في انحرافه"
وهذه والله أعلم إجابة مخالفة للكتاب وللسنّة لأنها تتعارض مع قوله تعالى "فاتقوا الله ما استطعتم" ومع قول رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم "كل بني آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون" بل تصادم قوله تعالى "ولا تزر وازرة وزر أخرى" فهب أن زوجة رفضت اقتراب زوجها منها بلا سبب ظاهر أو باطن بل قالت أنها تتعمد حرمانه بمزاجها فذهب الزوج كي يزني بامرأة فهل الزوجة سبب انحرافه أو شريكة له في الذنب رغم أن الزوج يمكنه أن يصبر أو يصوم أو يستمني أو يطلقها ثم يتزوّج أو يتزوج بأخرى معها؟
ثم أين توجيه الزوج للرفق بزوجته ومراعاة نظافته وتجمّله مع مراعاة حسن معاملته لها طوال اليوم والليلة مع تفهّم ضغط مسؤوليات البيت والأولاد ثم نصحه بالصبر والهدوء وأنّه حتى لو تكرر الرفض من الزوجة فيمكنه استشارة طبيب فقد لا يعطيها حقها في الاستمتاع أو قد يكون عنيفا كما يمكن أن تكون هي مريضة تتألم لسبب عضوي أو حتى نفسي (اغتصاب سابق، إجبار على الزواج، رأت منه تجاوزا أو معاكسة لأخرى فضايقها هذا، إلخ).
إذا كان من سببين رئيسيين لعدم استقرار الأسرة المصرية (وليس لزيادة حالات الطلاق الذي لم يكن أبدا مشكلة وإنما سوء التعامل مع نتائجه الطبيعية والتي يفترض ألا تفسد للودّ قضية هو المشكلة) فهما أولا تغلغل فتاوى وأفكار جماعة "الدعوة السلفية" بالإسكندرية وأمّها الإخوان "المسلمين" داخل الأزهر الشريف بل وحتى في الإعلام والدراما والسينما والتلفزيون وثانيا نقابة المهندسين في مخالفتها لقانونها في أمرين:
1- عدم سنّ حد أدنى ملزم لرواتب موظفي القطاع الخاص يحبس بالقانون المدير أو المالك الذي يخالف الحد الأدنى إن لم يكن يفصله.
2- عدم تحصيلها الدمغة الهندسية كاملة وهي نسبة 1.2% من مبيعات شركات القطاع الخاص.
فالحد الأدنى يكفل للرجل والمرأة حدا أدنى من الراتب الكافي لفتح بيت وتسيير شؤون الحياة فإن تخلّف الرجل عن مسؤولياته لأي سبب استطاعت المرأة أن تعمل وتكفي نفسها وأطفالها لحين حكم القاضي.
بل إنّ هذا الحد الأدنى للأجور سيضمن بشكل كبير أن يكون الأب متواجدا في حياة أسرته وأطفاله أطول وقت ممكن بعد انتهاء ساعات عمله الثمانية بما سيضمن اختفاء نماذج الآباء المتهربين من سداد نفقات أطفالهم خصوصا وأن هذا الحد الأدنى للأجور سيقنع كثيرا من الآباء والأمهات بترك الحرية لأطفالهم كي يختاروا تخصصاتهم الدراسية التي يحبّونها سواء تطبيقية أم تكنولوجية أم جامعية حيث إن العمل في أي تخصص سيكون كافيا لفتح بيت وتكوين أسرة.
وحينئذ ستختفي جريمة إجبار الأبناء على الزواج أو الدراسة والتي تفسّر لي مما ظهر في بعض قضايا الرأي العام لماذا آباء من أسر طيبة وميسورة يتهربون من سداد نفقة المطلقة وأبناءهم منها.
وأما تحصيل الدمغة الهندسية (126 مليار جنيه عام 2024 وفقا لأرقام الموقع الرسمي لوزارة التخطيط) فسوف يكفل للرجل وللمرأة ليس فقط صرف إعانات قروض حسنة بدون فوائد وبدون ضامن بموجب قانون نقابة المهندسين رقم 66 لسنة 1974 ليس فقط للأعضاء وورثتهم من صندوق المعاشات والإعانات (القروض) خلال 30 يوما بموجب المادتين 77 و 80 وإنما حتى لأي مواطن مصري أو أجنبي مقيم بمصر من ميزانية النقابة العامة بموجب المادتين 2 و 42 وإنما سيكفل تحصيل الدمغة الهندسية تخصيص موارد مالية لتثقيف المقبلين على الزواج وتوعية المجتمع بمشايخه ورجال دينه وأطباءه وإعلامييه وغيرهم بكافة الأدوات اللازمة للحفاظ على استقرار الأسرة سواء أثناء الزواج أو بعد الطلاق.
لقد سخر المنافقون الجدد من حديث الإمام العادل والمجدّد عبد الفتاح السيسي فداه روحي رئيس جمهورية مصر العربية لبعض الأئمة المتفوقين عن أنّهم حرّاس الحرية وهذه عادة المنافقين منذ عهد رسول الله في السخرية حتى من المتصدقين بمالهم القليل "الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79)" لأنّهم لم يفقهوا أن الإسلام دين الحرية للزوج وللزوجة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق