أعانك الله
ما كنت لأسمح لنفسي أن أروي هذه الواقعة التي أعتز بها، لولا أن الرئيس عبد الفتاح السيسي كرر الإشارة إليها بنفسه في خطابة للندوة التثقيفية لهيئة الشئون المعنوية للقوات المسلحة، التي شاركت فيها متحدثا. وقبلها جاءتني مكالمة هاتفية يطلبون ان أتواجد في مسرح الجلاء في تمام الثامنة صباحا بدلا من التاسعة والنصف. فعلقت مداعبا (يبقي لازم "بابا" سيحضر) وجاء الرد بالإيجاب. وسعدت قبل أن اتكلم بالاستماع للواء باقي يوسف، وبحديث خاص دار بيننا حول الخدعة البارعة التي استخدمها لنسف خط بارليف في حرب أكتوبر المجيد.
وعندما تحدثت كان يفترض أن ألتزم بالنص المتفق عليه والمعروض علي الشاشة، في إطار الانضباط العسكري التي أحترمه دائما. لكن إيمانا مني بأهمية التفاعل بين المحاضر والمشاركين، فقد استأذنت الرئيس أن أخرج عن النص بضع مرات كي أزيد بعض الأمور إيضاحا، فإذن لي. وأذكر من بين مـا قلت:
• ليس صحيحا أننا شعب مستهلك، وأننا نتعاطي أسماك السالمون والكافيار. وإنما نستورد القليل منهما لأن لدينا 10 أو 15 مليون سائح سنويا، يطلبون هذه الأشياء.
• الجمبري والكابوريا كانت غذاء فقراء دمياط الذين يعتبرونهما "زبالة البحر".
• ليس صحيحا أننا نستورد أكل للكلاب بالملايين، وإنما كميات قليلة جدا لكلاب الشرطة، عالية التدريب ولها تغذية خاصة.
عقب كلمتي خرجنا لاستراحة صلاة الظهر. ووجدتني أصلي بجورا الرئيس. فلما سلمت عليه بعد الصلاة استأذنته في الحديث فإذن لي. وقلت للرئيس أن لدي ثلاثة رسائل:
الأولي - أعانك الله علي ما أنت فيه ومقدم عليه .
والثانية - ما تواجهه ليس من مقامك ولا مقام مصر. فكل مشاكلنا - أيا كانت - يوجد حل لها في كتب النقود والبنوك أو الميزانية العامة، التي تدرس في السنة الثانية بكليات التجارة. ولا يتطلب الأمر استشارة خبراء عالميين أو الصندوق والبنك الدوليين.
والثالثة - إن الحل النهائي ليس حلا اقتصادي. بل هو اختيار سياسي للبدائل لاقتصادية المختلفة، لنختار الحل الذي يلائم ظروفنا ويمكن للشعب أن يقتنع به ويرتضيه ويسانده، ثقة منه في الاختيار. (وسأوضح ذلك بالتفصيل لاحقا)
عدنا إلي الاجتماع وجلست أصغي لحديث الرئيس، فإذا به يتفضل بالإشارة عدة مرات لحديثنا ولما جاء بكلمتي. وأكرمني بالإشارة إلي بعض آرائي. وبعد الندوة سألني التليفزيون المصري عمن كان الرئيس يقصده بقوله "كما قال السفير" فادعيت أنني لا أعرف من يقصده الرئيس. وقد أكرمني الرئيس أيضا بإهدائي درع القوات المسلحة. وزاد فيض الكرم بدعوتي لأحاضر في الكلية الحربية وأكاديمية الشرطة وفي مختلف مؤسسات وأسلحة الجيش. وهو القرار الذي أبلغني به السيد وزير الدفاع – وقتها - الفريق صدقي صبحى، عندما التقيته بعدها في أكاديمية ناصر، وتكرم بمجاملتي بالقول أنني كنت موفقا في الندوة. فانتهزت الفرصة لأطلب منه أشياء لازمة للأكاديمية.
وبهذا أتيحت لي فرصة الالتقاء بابطالنا في أقصي الشمال بالأسكندرية في الكلية البحرية، إلي أقصي الجنوب بأسيوط في المنطقة الجنوبية العسكرية. ومن الشرق مع قوات الجيش الثالث إلي الغرب في سيدي براني ومرسي مطروح بالمنطقة الغربية العسكرية. وفي كلية الدفاع أسعدني العدد الضخم الذي حضر المحاضرة. وكان أكبر حشد رأيته في حياتي داخل قاعة واحدة. فلما سألت قيل لي أنهم ستة آلاف يمثلون جانبا من طلاب الكلية.
الاختيار السياسي
تقدم علوم الاقتصاد والمالية العامة والنقود والبنوك، بدائل متعددة لمواجهة مشاكل أداء أقتصاد الدولة. وقد يصل الأمر إلي أن سياسة ما، قد توصل للحل، ويمكن لسياسة أخري مخالفة أن توصل لحل أفضل. بل يحدث أن يختلف أهل الاقتصاد حول الحل "الأمثل" وفقا لمواقعهم. وهو ما يحدث أحيانا بين وزارة المالية من جانب، وهي التي تستخدم أسلحة السياسات المالية والموازنة والضرائب والرسوم والإيرادات والإنفاق لعلاج مشاكلها، وبين البنك المركزي الذي يستخدم السياسات النقدية والمصرفية فيما يسمي "بأسلحة البنك المركزي" وتدور حول أسعار الصرف والفائدة والخصم وسياسات وشروط الإقراض ومداه وحجم الإصدار النقدي. حتي شاهدنا الاحتياطي الفدرالي الأمريكي (البنك المركزي) يقدم توصيات للكونجرس بعدم الاستجابة لطلبات الحكومة بالتوسع في الاقتراض أو المعونات. وهي التي قاربت علي إعلان افلاسها وعجزها عن مواجهة أعبائها، وسداد ديونها التي زادت عن إجمالي الناتج المحلي للدولة مرتين ونصف. ومن هنا جاءت أهمية استقلال البنك المركزي عن أجهزة السلطة التنفيذية.
(هيلموت 1 ، وهيلموت 2 )
عاصرت في ألمانيا سنة 1982 مشكلة اقتصادية، تمثلت في عجز في الموازنة العامة بلغ نحو أربعين مليار "مارك" ألماني. وأول ما يخطر علي البال لمواجهة مشكلة كهذه هو زيادة الضرائب والرسوم، وضغط الإنفاق. ولكن وزير الاقتصاد "كونت أوتوجراف لامبسدورف" رأي أن زيادة الضرائب علي الشركات يمكن أن يؤدي لنتيجة عكسية، ويحد من قدرتها علي الإنتاج والتوظيف. وضرب المثل بشركة مثل "فولكس فاجن" التي تزيد مصروفاتها علي الأجازات والعلاج وغيرهما من المزايا لموظفيها، علي ما تدفعة لهم من أجور ومرتبات. وأن تخفيف الأعباء عنها سيمكنها من التوازن والمزيد من الإنتاج والتوظيف. ولأن وزير الاقتصاد كان من حزب الأحرار، بينما المستشار "هليموت شميت" كان ينتمي للحزب الإشتراكي الديمقراطي، فقد وقع الأخير تحت ضغوط الجناح اليساري في حزبه، فرفض الحل الذي تبناه وزير الاقتصاد.
وذهب "شميت" للبندستاج (البرلمان) طالبا اسقاط حكومته، وتكليفه بإجراء انتخابات جديدة. لكن البرلمان أسقط الحكومة دون أن يكلفها بإجراء الانتخابات. وعين مباشرة وبقرار برلماني المستشار "هيلموت كول" – في سابقة لم تحدث إلا في تعيين أدولف هتلر- وكلفه بإجراء الانتخابات، التي فاز فيها حزبه. وظل الناس يقارنون بين هيلموت (1) شميت، الأنيق والمتحدث اللبق والسياسي البارز، وبين هيلموت (2) كول، الذي لم يكن يتمتع بجاذبية سياسية أو شعبية مماثلة، وكان في البداية محل انتقاد بل وسخرية وتسميته بمسميات منها منها (هيلموت الآخر the other Helmut) وغيرها من المسميات مما لا أود تكراره. لكنه أثبت مع الزمن كفاءة إدارية وعملية عالية. فتحالف مع حزب الأحرار برئاسة وزير الخارجية طويل الخدمة "هانز ديتريش جينشر" وفيه وزير الاقتصاد ذاته (لامبسدورف) الذي طبق بكفاءة ملحوظة علاجه لعجز الموازنة، بإجراءات شملت الحد من الضرائب علي الشركات من جهة، وأيضا الحد من العلاج المجاني المطلق، بفرض رسم ضئيل علي كل وصفة دواء كانت تصرف بالمجان، وعلي الإقامة المجانية للعلاج بالمستشفيات، وغير ذلك من المزايا المجانية المبالغ فيها. حتي حقق في سنتين فائضا تخطي الأربعين مليار مارك. ولقد قابلت الكونت لامبسدوف لاحقا عندما جاء محاضرا في ندوة بالقاهرة. وسعد للغاية عندما ذكرته بتجربته الفريدة، وبأنني كنت من المتابعين لنجاحه. لكن المهم أن "هيلموت (2) كول" حقق نجاحات عملية كثيرة، منها حلم الوحدة الألمانية، وضم الدولتين المنفصلتين وراء حائط برلين الشهير.
الفرق بين العاطفين
رحم الله الصديق والكاتب الكبير مكرم محمد أحمد، الذي دعاني مرات لحوارات في مجلة المصور، وزارني بمكتبي بالوزارة وقت المفاوضات مع الاتحاد الأوربي. وفي إحدي حواراتنا اقترح أن أكتب للمصور بعض المقالات الاقتصادية الشارحة لأهمية سياسة توسيع الأسواق أمام مصر ومنها منطقة التجارة الحرة العربية واتفاقية المشاركة الأوربية واتفاقية الكوميسا الإفريقية، وعلي أن ينشر بعض تلك المقالات باسمه دعما لهذا التوجه.
وكتبت له في واحد من المقالات قصة الإثنين "هليموت" وقارنت في المقال أيضا بين رئيسا وزراء مصر، الدكتور عاطف صدقي، والدكتور عاطف عبيد تحت عنوان فرعي نصه (الفرق بين العاطفين) وذلك انعكاسا لنجاح الأول وإخفاق الثاني في تنفيذ ذات السياسة الاقتصادية المعلنة. بالرغم من أن الثاني كان عضوا في وزارة الأول. الأمر الذي كان محل انتقاد الرئيس حسني مبارك ودعوته للدكتور عبيد ليطلب النصح من الدكتور صدقي. وهي قصة كانت معروفة وقتها. وأرجعت – في المقال - السبب إلي مصداقية التنفيذ. وكنت خارج القاهرة عندما اتصل بي الأستاذ مكرم مقترحا ان ينشر المقال باسمي، نظرا لأنه سيكتب في موضوع آخر في نفس العدد. فطلبت منه شطب بعض العبارات التي لا أرغب في أن تصدر عني "كمسئول" في الحكومة انتقادا لرئيس الوزراء، فوعد خيرا.
وأظنه فاته أن المقارنة بقيت في المقال "باسمي" تقلل من وضع عاطف 2. ودفعت لاحقا ثمنا لذلك بلغ راتب 11 شهرا. عندما احتجز قرار مد خدمتي بالوزارة لهذه المدة في رئاسة مجلس الوزراء. ورفضت التقدم لاحقا بطلب صرف المبلغ. وهي قصة كان أبطالها وزير الخارجية ومدير مكتبه. ومساعد الوزير للشئون المالية السفير سمير سيف اليزل، رحمه الله، وهو الذي فسر لي سبب ايقاف صرف راتبي مدة 11 شهرا.
صانع القرار ومعايير التفوق:
عاصرت السلطة التنفيذية في مصر لفترات طويلة وهي تحرص ــ أغلب الوقت ــ علي استقلال البنك المركزي. ولاحظت أحيانا أن رئيس الدولة الأسبق كان يتعرض للمسائل الاقتصادية وفي ذهنه أن مصر تكون في حال أفضل طالما كان سعر الصرف الأجنبي للجنيه ثابتا وعجز الموازنة أقل من 1% والتضخم أقل من 3% .
وقد وجهت السؤال في هذا الشأن لأحد محافظي البنك المركزي، ولأحد السادة وزراء المالية. فكانت إجابتهما متفقة مع تصوري عن رؤية رئيس الدولة. وزاد عليها وزير المالية في حينه أن الرئيس كان مهتما أيضا بالاحتياطي النقدي وكان يسأل عنه بصورة شبه يومية. كما كان يتأكد من أن حجم المديونية الخارجية لا يزيد. حتي أن وزيرا من المجموعة الاقتصادية فقد منصبه نتيجة محاولته إقناع الرئيس بأن المديونية تتراجع بالمطلق، لأننا نسدد أقساطها بانتظام، كما تتراجع نسبيا بحكم زيادة الناتج القومي. ولا بأس من الاقتراض في حدود ما نسدده سنويا. ورغم ما بدي من الاقتناع بوجهة نظر الوزير، إلا أنه خرج في أول تعديل وزاري.
وقلت مرات إن كل هذه المعاير الأساسية ــ من سعر الصرف، وعجز الموازنة، والتضخم والمديونية، والاحتياطي النقدي ــ تبدو مثل مؤشرات صحة الإنسان الطبيعي عندما تبلغ درجة حرارته 37 درجة، وضغطه 120/ 80 ونبضه 69 . لكن كل هذا لا يعني أن هذا الإنسان ذاته قادر علي كسب سباق الجري لمائة متر. ولهذا اتفق الخبراء علي أن معايير ومؤشرات التقدم الاقتصادي تقاس بأشياء من بينها:
1. تحقيق الاقتصاد لمعدلات نمو تفوق معدلات زيادة السكان بثلاثة مرات .
2. تلبية احتياجات السوق من السلع والخدمات، إنتاجا واستيرادا دون إرهاق.
3. القدرة علي التصدير والنفاذ والمنافسة في الأسواق الخارجية.
4. تهيئة الظروف لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وزيادة الإنتاج.
5. زيادة التوظف وخلق فرص متزايدة للعمل.
6. تحسين جودة الحياة (الصحة والتعليم والغذاء والإسكان والمواصلات(
فمما يقلق هو النقاش والنقد المستمر للسياسات المالية والنقدية، حول أسعار الصرف والفائدة وشروط الائتمان. وننسي أننا شهدنا في عقد الثمانينيات سعر فائدة علي الدولار بلغ 22%. ودخلت مصر وقتها في أزمة مديونية لأن جزءاً من فوائد قروضها بلغ 14% ثم تخلصنا من ذلك كله بالاتفاق في نادي باريس، وحصلنا من الدائنين علي أفضل معاملة.
في هذا علمني السفير صلاح العبد – رحمه الله - أن صانع القرار الحقيقي هو في الأغلب صاحب مذكرة العرض الأولي الشارحة. ذلك لأن متخذ القرار النهائي لا وقت لديه ليدرس كل الأمور "الفنية" بنفسه. ويحتاج لأسانيد تدعم قراره وتطمئنه أنه يسير في الاتجاه السليم. وللتاريخ أذكر أنني عاصرت قرارات مصيرية اتخذها الرئيس جمال عبد الناصر بعد عرض أمين وسليم من كبار المختصين في الحكومة. أذكر منها واقعتين:
الأولي - عندما شاركت السفير صلاح العبد في إعداد مذكرة عرض شديدة السرية طلبها الرئيس سنة 1968 تحت عنوان "النتائج الاقتصادية لإنهاء حالة الحرب مع إسرائيل". ووقتها كلفني السفير بأن أطبعها بنفسي بالوسائل البدائية التي كانت متاحة. وأن أقوم بتسليمها بنفسي لمكتب وزير الخارجية، ولعدد لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة من كبار المسئولين بالوزارة.
والثانية - عندما شكلت لجنة صغيرة من خبراء الوزارة لدراسة إمكانية وفائدة انضمام مصر للاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات المعروفة باسم GATT. والمدهش أن الروس عاتبوا الرئيس لتفكيره في الانضمام لمنظمة "استعمارية" مثل الجات. فإذا بهم ينضمون إليها بعد 43 سنة من انضمام مصر. ولقد انتقدتنا الولايات المتحدة والغرب علي الاعتراف بالصين الشعبية وعاقبونا بعدوان 1956. ثم صارت الصين أهم شريك لهم وأكبر مصدر في العالم وأكبر حائز للاحتياطي بالدولار. وهو ما يدلل علي كفاءة سياسة مصر الخارجية واختياراتها المبكرة.
ولا يعرف كثيرون أن الرئيس جمال عبد الناصر كان يعد العدة لقبول مصر لمبادرة السلام لوزير الخارجية الأمريكية "وليام روجرز"، خاصة عندما لمس الرئيس تقاعس الاتحاد السوفييتي عن دعم قدرات مصر من السلاح. واستمر ذلك في عهد الرئيس أنور السادات الذي دعي لما أسماه "وقفة مع الصديق". ويوضح ذلك عظمة قرار حرب التحرير في أكتوبر 1973.
إقرأ أو أحسن الاستماع قبل اتخاذ القرار
شكي لنا واحد من عليه القوم أنه بعد أن وصل لموقعه في قمة العمل السياسي، لم يعد لديه الوقت ليقرأ أو يدرس. فقلت له ناصحا: "إذا لم يكن لديك الوقت لتقرأ وتبحث، فعليك أن تتحلي بفضيلة حسن الاستماع". لكن صاحبنا لم يعمل بالنصيحة، واتخذ مرات مواقف متسرعة دون دراسة ودون الاستماع لمختص. بلغت ذروتها عندما ساند الولايات المتحدة في شكواها لمنظمة التجارة العالمية ضد الاتحاد الأوربي لأنه يمنع استيراد المواد الغذائية المعالجة وراثيا. وكان الأوربيون يخشون من تأثير تكنولوجيا الوراثة علي الغذاء، واحتمالات أن يكون في الأمر ضرر علي الإنسان الذي يأكل هذه المنتجات. ولهذا يسمحون باستخدام هذا النوع من التكنولوجيا فقط في تجارب المحاصيل الزراعية غير الغذائية مثل القطن أو الكتان. لكن أخانا استجاب للمسعي الأمريكي. بل دعي لمؤتمر وزاري للدول النامية لمساندة الموقف الأمريكي. غير مدرك أن موقف مصر من هذا الموضوع هو نفس الموقف الأوربي المتحوط. وبذلك جعل هذا المسئول مصر تدعوا لمؤتمر يعارض موقفها من القضية. ولما علم وزير الخارجية بذلك أبلغ الرئيس وأبرق لكل العواصم المدعوة بإلغاء الاجتماع. أما السفير الذي كشف هذا الموضوع فقد كلف بتولي إحدي الوزارات المختصة، لضبط الأمور.
ومن أمثلة اتخاذ القرار دون قراءة أو استشارة واستماع، قرار المسئول الكبير بمناقشة عدة مسائل كانت تمثل في رأية مشكلات سلبية في اتفاقية المشاركة المصرية الأوربية. وأصر علي ألا يقرأ، وألا يسمع، وألا يستعين بأحد. ووجه خطابا للجانب الأوربي يتضمن مجموعة من الأسئلة. وسمعنا بعدها شائعات حول مضمون الأسئلة الكارثية للمسئول الكبير. وطلبني هاتفيا رئيس مجلس الشعب وقتها - شفاه الله وعافاه - ليسألني الرأي في المسائل التي قيل أن الخطاب يتضمنها. فقلت له أنني أخشي أن هذا الخطاب – إذا شمل ما سمعت أنه يتضمنه من مسائل - فسوف يعتبر "سبة" في جبين من يوقعه. لأن الخطاب يسأل "مستنكرا" عن مواد في الاتفاق كان الجانب المصري هو الذي اقترحها وصاغها. وعندما عرضنا الأمر علي الرئيس الأسبق حسني مبارك "استمع لعرضي جيدا". وقرر علي الفور توقيع الاتفاق.
عهد جديد
عاشت الدبلوماسية المصرية أكثر من عقد من الزمان شبه منزوعة من أهم أسلحتها، وظلت تعمل علي مستوي السفراء والوزراء، دون السلاح الأهم وهو دبلوماسية الرئاسة أو دبلوماسية المطارات. ولقد ذكرت في تقرير نهاية عملي الإفريقي في الكاميرون أن السفير محمد الخازندار الذي سبقني قدم الدعوة لرئيس الدولة دعوة رئاسية لزيارة مصر فقبلها. ثم جددت له الدعوة مع تقديم أوراق اعتمادي فقال لي أن يحلم بزيارة مصر. وخلال سبع سنوات حددت مصر موعدا للزيارة سبع مرات قبلها الرئيس جميعا وألغتها مصر. وهكذا عشنا حقبة زمنية في غيبة رئاسية في الخارج والداخل.
وأخيرا والحمد لله نجحت تجربة الانتخابات الرئاسية، التي أحتشدت لها نسبة عالية من المصريين خرجوا ليفوضوا الرئيس في فترة رئاسة جديدة حتي سنة 2030 بإذن الله. ولقد امضيت اوقاتا طويلة ومتعددة للتعليق علي الحدث. وتصور المهام التي سوف يضطلع بها الرئيس في ولايته الجديدة، وتحديد أولوياتها. والمهم ان الرئيس لديه جدول أعمال واسع وشديد الأهمية في الداخل والخارج.
ففي الداخل علينا مواصلة جهود التنمية بمعدلات أسرع لمواجهة الطموحات نحو رفع مستوي المعيشة وفرص العمل والسكن والغذاء والتعليم والرعاية الصحية. ولمواجهة احتياجات 26 مليون طفل جديد انجبناهم منذ سنة 2011 ، وهو التحدي الأكبر الذي يتطلب أن نصل بمعدل النمو السنوي لثلاثة أضعاف معدل زيادة السكان. بينما يدور النمو حاليا حول معدل يزيد أو يقل عن 5%. وفي هذا نحتاج لحسم توافق وطني حول دور القطاع الخاص والقطاع الأجنبي في الاقتصاد وعملية التنمية. وفي هذا ألاحظ حالة التحفز والعداء تجاه القطاع الخاص ورجال الأعمال. ونقلت عني بعض وسائل الإعلام القول "بأننا نشجع الاستثمار والخاص. ولكن هل شاهد أحدنا ولو مرة فيلما أو مسلسلا فيه رجل أعمال شريف؟ .. فالكل – والحمد لله – ينطبق عليه تسمية فيلم إحسان عبد القدوس (يا عزيزي كلنا لصوص) وهو الأسم الذي كان يضحك أستاذنا الدكتور عبد العزيز حجازي كلما ذكرته.
من جانب آخر علينا التصدي بالدراسة والحوار لحسم كثير من الموضوعات وتوضيحها وتشجيع الإعلام علي مناقشتها. فالبعض يتساءل مثلا عن سبب "المبالغة" في إنشاء الطرق والكباري والمواني والبنية الأساسية. ورد الرئيس متسائلا : كيف نقيم صناعة ونصدر منتجاتها ونستورد بعض مكوناتها، دون أن تكون لديها مثل هذه الخدمات وتوفير الطاقة اللازمة.
كذلك يطالب بعض "العقلاء" بإبطاء معدلات تنفيذ المشروعات تخفيفا للأعباء. وفي ظني أن الإبطاء يكلف أكثر. ويكفي ان أشير الي أن تكلفة المفاعل الذري كانت 2.3 مليار دولار سنة 1985 عندما قررنا شراءه من ألمانيا ثم تأجيله بعد حادثة "شرنوبيل". وسندفع الآن 29 مليار دولار لتنفيذه متأخرا. أي التأخير يكلفنا اكثر من عشر أضعاف تكلفة الإسراع. وانا مع زيادة معدلات العمل والبناء في كل المجالات والخدمات والإنتاج. فتكلفة البطء عالية.
ويدور الحوار الوطني حول الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. بينما تستأثر بجانب كبير من التفكير أزمات ملحة تمس مصالح الناس وحياتهم اليومية بين التوظف والأجور والمعاشات وسلع الاستهلاك اليومي والخدمات. وأيضا ما تواجهه الحكومة علي مدي النهار من أسعار الصرف، وعجز الموازنة، والاقتراض لتدبير مصادر للإنفاق الحكومي، وتوفير فرص العمل، مرورا بالعنف، ومطالب الفئات، في ضوء المناقشات بين خلاصة النخبة المصرية والذين نأمل منهم أن يخرجوا بتوافق يليق برواد ومفكري مصر.
غير أن أهم مقومات السياسة الاقتصادية هو أن يلتف الناس حولها، ويؤمنوا بها، ويراهنوا عليها. ويزيد منصعوبة الحل، أننا لم نتفق علي شكل مصر الاقتصادي الذي ترتضيه الأغلبية. هل هو اقتصاد يعتمد قواعد السوق الحر تحت رعاية الدولة كمراقب وحكم. أم نعيد مأساة اقتصاد تتملكه الحكومة وتتحكم في الإنتاج والأسعار والأجور.
فبينما ننادي بجذب المستثمرين رأينا مسلسلا علي احدي القنوات الرسمية يقول فيه رئيس تحرير صحيفة للمحررة: يمكنك أن تهاجمي من تشائين إلا رجال الأعمال وتحديدا اللصوص منهم. لأنهم يمولوننا ويدفعون مهايانا.
ونقرأ لكاتب كبير في أكبر الصحف القومية، أن رجال الأعمال امتصوا دماء الشعب، وهم مطالبون بسداد ديون مصر.
فلو أضفنا ما جرى في السابق تجاه رجال مثل طلعت حرب وعبود وفرغلي وأبو رجيلة والفنانين أنور وجدي ومحمد فوزي، بل والملك فيصل. الذين صودرت أموالهم. ونجد بيننا من يتمنى تكرار هذه المآسي. ومع ذلك فأغلب الظن أن الطريق واضح أمام من يتمعن بحياد وأمانة. وهو ما يتطلب :
(1) زيادة الإنتاج والاستثمار في المشروعات عالية التوظيف والبنية الأساسية.
(2) ضمان الأمن للمنتجين وللعاملين في مجالات السياحة والتصدير والخدمات.
(3) سياسة مالية ونقدية لتحقيق معدلات نمو عالية. وليس مجرد الحفاظ علي سعر الصرف.
(4) السيطرة علي أداء البيروقراطية المعوقة سواء في الحكومة أو القطاع العام والبنوك.
(5) الانتهاء من شبكة المشروعات الواسعة التي تقودها الدولة. وحفز القطاع الخاص.
(6) تمويل المشروعات متناهية الصغر ودعم نموذج الصندوق الاجتماعي.
(7) التمسك ببناء اقتصاد سوق تسانده الدولة وتضمن تحقيق التوازن بين مصالح أطرافه.
وعلي الجبهة الخارجية، لدينا تحديات كبيرة علي حدودنا المباشرة، شرقا في فلسطين وغزة؛ وغربا في ليبيا؛ وجنوبا في السودان واليمن؛ وشمالا في سوريا ولبنان. ولدينا مهمة التعامل مع اصدقائنا في المحيط الإسلامي والافريقي والأوربي والأمريكي والروسي والصيني بهدف الحفاظ علي أطيب العلاقات والاستفادة من فرص الانفتاح علي الأسواق وجذب الاستثمارات ومتابعة مصالح وسلامة 11 مليون مصري من خيرة أبناء مصر، يعملون في مختلف الدول ويتعتبرون من أهم مصادر النقد الأجنبي لاسرهم ولبلدهم. وجدول الأعمال جاد وكثيف ويتطلب ان ندعوا الله بالتوفيق للرئيس ولقادة مصر وللمصريين أجمعين،في مواجهة التحديات الخارجية.
ومن أهم تحديات الخارج "الجريمة المنظمة" المتمثلة في: الإرهاب، وغسيل الأموال، وتجارة المخدرات، والهجرة غير المشروعة. وبعض عمليات العنف في الشرق الأوسط كما وصفتها وزيرة خارجية السويد المنصفة "آنــا لينده" – رحمها الله وقد اغتالها متطرف من بلدها – ترجع لحالة اليأس التي انتابت أولئك الذين لم تتح لـهم وسيلة للوصول إلي العدالة. وهو موقف مؤسف للأوضاع الدولية يوفر دعوة مفتوحة للعنف، طالما أن هناك من لا يرضخ للعدالة وللشرعية الدولية ويرفض الانصياع لـهما. وينبه البعض لأهمية إدراك أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية توفر أفضل وسيلة لمكافحة الارهاب. وقد حان الوقت لأن نطالب دول أوربا والولايات المتحدة - التي تنادي بمحاربة "الهجرة غير المشروعة " إليها – بأن تلتزم من جانبها بوقف هجرات اليهود من بلدانهم إلي فلسطين التي لا علاقة لهم ولا لأجدادهم بها.
وتبقي قضية المعايير المزدوجة للتعامل مع انتشار أسلحة الدمار الشامل والصواريخ بعيدة المدى بين بلدان الشرق الأوسط. فبإمكان دولة واحدة علي الأقل في جنوب المتوسط امتلاك مثل تلك الأسلحة، ولديها صواريخ يمكن أن تحمل رءوسا نووية يصل مداها لأراضى دول في الاتحاد الأوروبي. وهو أمر لا يقلق الجانب الأوربي. بينما يقلقه سعي دول أخري نحو الاستخدام السلمي للطاقة النووية. والمثير للسخرية أن وزيرا في حكومة الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي اعترف بسذاجة جاهلة بامتلاك بلده للأسلحة النووية. الأمر التي كانت تخفيه دائما ولا تقبل مجرد مناقشته.
حفظ الله مصر ، وأعان الرئيس ورجالها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق