Friday, May 9, 2025

الردّ على كتاب سيد قطب معالم في الطريق


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول الذي هو تحالف عدة قبائل لنصرة المظلومين "لو دعيت به اليوم في الإسلام لأجبت". لم يقل رسول الله سيدنا محمد لو دعاني كفار الجاهلية لمعاهدة مشتركة تنصر المظلوم لرفضت باعتباري نبيا مرسلا بدين ينصر المظلوم، وإنما قال صلى الله عليه وسلم لو دعاني هؤلاء الكفار لعمل مشترك ينصر المظلوم لوافقت.


على النقيض من ذلك بدأ سيد قطب رحمه الله كتابه "معالم في الطريق" بالقول في الصفحة19 "لقد كان الرجل حين يدخل في الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه في الجاهلية" وهو قول يخالف صريح حديث النبي صلى الله عليه وسلم المتفق على صحته في البخاري ومسلم عن العرب "خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" فدل على منطقية اتصال ثقافة وسلوك المسلم بالجاهلية فيما هو خير وحق وعدل وإحسان.


بمعنى آخر: ليس كل ما في الجاهلية شرك وفسق وفجور وظلم وجهل. وهذا ليس كلامي وليس حتى ما يدركه أي شخص لديه ذرة تفكير وإنما هذا نص حديث شريف متفق على صحته لسيدنا محمد يؤيده، مثلا، أن النبي ترك الكعبة على حالها دون ضم الحجر إلى بناءها لأن العرب كانوا حديثي عهد بشرك كما في الحديث الصحيح "يا عائِشَةُ، لَوْلا أنَّ قَوْمَكِ حَديثُو عَهْدٍ بشِرْكٍ، لَهَدَمْتُ الكَعْبَةَ، فألْزَقْتُها بالأرْضِ، وجَعَلْتُ لها بابَيْنِ: بابًا شَرْقِيًّا، وبابًا غَرْبِيًّا، وزِدْتُ فيها سِتَّةَ أذْرُعٍ مِنَ الحِجْرِ، فإنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْها حَيْثُ بَنَتِ الكَعْبَةَ".


وفي الصفحة20 من كتابه "معالم في الطريق" يواصل سيد قطب رحمه الله قائلا: "كانت هناك عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه تنشأ عنها عزلة كاملة في صِلاته بالمجتمع الجاهليّ من حوله وروابطه الاجتماعيّة فهو قد انفصل نهائيا من بيئته الجاهلية واتصل نهائيا ببيئته الإسلامية. حتى ولو كان يأخذ من بعض المشركين ويعطي في عالم التجارة والتعامل اليومي فالعزلة الشعورية شيء والتعامل اليومي شيء آخر"


إن كلام سيد قطب أعلاه مردود عليه لأربعة أسباب أولها حديث حلف الفضول أعلاه والأسباب الثلاثة الأخرى هي:

1- كيف يستقيم أن يأمر الله المسلمين بدعوة الناس إلى الخير "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" "ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا" وهم معزولون شعوريا عنهم؟!


شخص أنا معزول عنه شعوريا أي لا أحسّ به ولا أتعاطف معه ولا أتفاعل مع ظروفه

كيف سأدعوه ليقتنع بفكر أعتنقه؟


وكنت قرأت في كتاب علم نفس الدعوة (أو الداعية) للعالم الأزهري الدكتور محمد أبو زيد الفقي رحمه الله ،أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر والعميد الأسبق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بكفر الشيخ، أنّ الله سبحانه وتعالى وصف الدعاة إليه بالرفق بالعصاة بل والشفقة حتى على الكافرين ومن الأدلة على ذلك قوله سبحانه "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24) إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)"


فالله في القرآن (آية26 أعلاه) يخبر عن رجل دخل الجنة ولكنه يفكّر في قومه المشركين ويشفق عليهم فهل هذه سلوكيات رجل معزول شعوريا عن قومه كما يدعو لذلك سيد قطب أم أنّها سلوكيات رجل متفاعل مع قومه ومتعايش معهم وحريص عليهم كما يصفه الله سبحانه في قرآن يتلى منذ 14 قرنا؟


ومن أدلة الشفقة على الكافرين وصف سيدنا إبراهيم عليه وعلى سيدنا محمد أفضل الصلاة وأزكى السلام في سورة هود "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75)" ففي تفسير القرطبي أن الأواه هو "المتأوه أسفا على ما قد فات قوم لوط من الإيمان" - فهل يأسف لعدم إيمان قوم بالله من هو معزول شعوريا عنهم؟!


2- لقد أباح الإسلام للمسلمين الزواج من الكتابيات ولم يكن ذلك عن قلة في نساء المسلمين بدليل أنه تشريع باق وسار إلى يوم الدين وقد انتشر الإسلام.

فكيف يتزوج مسلم نصرانية أو يهودية وهو معزول شعوريا عنها؟

وكيف يتعامل هو وأبناؤه منها مع والدها وأهلها وهم معزولون شعوريا عنهم؟!

بل كيف يفكر فيها ابتداء كزوجة فيتقدم لخطبتها إذا كان معزولا شعوريا عنها؟!


3- يقول الله تعالى في سورة لقمان عن الوالدين "وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا" وهو كلام يناقضه تماما ما كتبه سيد قطب عن "عزلة شعورية كاملة بين ماضي المسلم في جاهليته وحاضره في إسلامه تنشأ عنها عزلة كاملة في صِلاته بالمجتمع الجاهليّ من حوله وروابطه الاجتماعيّة فهو قد انفصل نهائيا من بيئته الجاهلية واتصل نهائيا ببيئته الإسلامية" - فكيف يستقيم وجود عزلة بينما الله يأمر بصلة الأبوين الكافرين بل أوجب برهما حتى وهما يجاهدان ابنهما المؤمن كي يشرك بالله ويعبد الأصنام؟


إن بضعة أسطر عن العزلة الشعورية في كتاب سيد قطب كانت كافية لنسف الأساس الفكري لكل جماعات النفاق، ولا أقول الإسلام، السياسي فشكرا سيد قطب على تأكيدك ما وصف الله به المنافقين في كتابه الكريم منذ 14 قرنا لأن المعزول شعوريا عن أقاربه غير المسلمين ومحيطه المجتمعي هو أصلا معزول ابتداء حتى عن المسلمين قبلهم حيث وصف القرآن المنافق بأنه لا يهتم بمجتمعه بل يسعى فيه فسادا ولا يبالي "وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ" و "وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"


ولذا لو رأيت مرتكبا لجريمة أثناء ارتكابها وقلت له اتق الله غالبا يرتدع ويتراجع إلا المنافق (الإخواني أو عضو حزب النور) لو قلت له اتق الله لا يستجيب لك -إلا من رحم الله- لأنّ العزة تأخذهم بالإثم أي متكبرون مغرورون وقد كان المنافقون يصفون صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بالسفاهة والجهل "وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس (أي الصحابة) قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون".


يتضح هذا المعنى أكثر إذا تأملنا تفسير ابن كثير لهذه الآية "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118)" يقول: "يقول تبارك وتعالى ناهيا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة، أي : يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خبالا أي : يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة، ويودون ما يعنت المؤمنين ويخرجهم ويشق عليهم"


وهذا يفسّر استهداف البنى التحتية وأبراج الكهرباء منذ أيام سيد قطب كما في صحيفة الأهرام يوم 13 إبريل 1966، حيث نقلت وقائع جلسة اليوم الرابع لمحاكمته حيث واجهته المحكمة بأنّه "كان تقرر قصف محطات الكهرباء وكبارى القاهرة، وأنت (أي سيد قطب) أضفت قناطر محمد علي الخيرية" رد قطب: "أيوة" فرد رئيس المحكمة: "وبعدين شطبتوها بعد أن وجه لك شاب صغير من دول (وأشار إلى القفص) اللوم شاب من أولادك لامك على كده" فرد سيد قطب: "أيوة".


إن كلام سيد قطب يفسر فتاوى جماعة الإخوان "المسلمين" وجرائمهم بعد 30 يونيو كما سيأتي.

وهذا يدلنا على سرّ اعتبار النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن صلاة الجماعة لمدة أربعين يوما متصلة تبريء صاحبها من النفاق "من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى، كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق" فمن صفات المنافقين التخلف عن صلاة الجماعة بغير عذر كما في القرآن "وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلً" والسنّة "لقَدْ رَأَيْتُنَا وَما يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ إلَّا مُنَافِقٌ قدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ، أَوْ مَرِيضٌ".


لكن لماذا صلاة أربعين يوما متصلة في جماعة براءة من النفاق؟

فيما أزعم والله أعلم لأنّ صلاة الجماعة أربعين يوما لخمس صلوات أي 200 صلاة ستكون كافية لكي يتفاعل المصلي مع مجتمعه ومحيطه بمختلف أنماطه وظروفه وسلوكياته فيكون منتميا له بحقّ


لماذا؟

أيضا فيما أزعم والله أعلم لأنّ رؤية الناس في الصلاة أي في عبادة بل رأس العبادات يجعل المصلي يرى الجانب المشرق في المجتمع والناس وهم يعبدون الله الواحد سبحانه وتعالى فيتعاطف ويتفاعل معهم ولو بالسلام أو حتى التراص أثناء الصلاة، فإذا سرق أحدهم أو ظلم -لأنّهم بشر في نهاية الأمر- فالتفاعل معه سيكون رحيما ومتفهما لكونه بشرا يخطيء (وهذا لا يتعارض مع المعاقبة إن لزم الأمر).


كذلك الصلاة تكون مناسبة للتعرف على المجتمع فشخص ما كان يصلي دوما في ركن ما بالصف الأول ثم تغيب وهو كبير في السنّ فهل هو مريض هل أصابه مكروه هل نزوره أو نتصل به نسأل عنه وما يشابه ذلك من تفاعلات تحصل بشكل أو بآخر تزيد من تماسك النسيج المجتمعي.


بالعودة إلى كتاب سيد قطب معالم في الطريق فإننا نصطدم بقوله في الصفحة22 "ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهليّ ولا أن ندين بالولاء له فهو بهذه الصفة صفة الجاهلية غير قابل لأن نصطلح معه" ثم يواصل القول: "مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه. هذا الواقع الذي يصطدم اصطداما أساسيّا بالمنهج الإسلاميّ وبالتصوّر الإسلاميّ والذي يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش.


إن أولى الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوّراته وألا نعدّل نحن في قيمنا وتصوّراتنا قليلا أو كثيرا لنلتقي معه في منتصف الطريق. كلا! إننا وإياه على مفرق الطرق وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق".


إننا اليوم بزعم سيدهم قطب في جاهلية كجاهلية العرب في صدر الإسلام كما في الصفحة21 "نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية .. تصوّرات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية ومراجع إسلامية وفلسفة إسلامية وتفكيرا إسلاميا .. هو كذلك من صنع هذه الجاهلية!!"

فلنتأمل كيف تعامل سيدنا محمد وصحابته الكرام مع جاهلية العرب في نقاط محددة كي نقارن بين هدي النبي وكلام سيد قطب:


1- في صلح الحديبية رفض كفار قريش، الذين منعوا النبي محمد صلى الله وعليه وسلم من دخول مكة معتمرا بالمخالفة لكل القواعد والأصول والأعراف، رفضوا أن يكتبوا في وثيقة صلح الحديبية أنّه محمد رسول الله وقالوا له في وجهه الشريف ما معناه لو آمنا بك نبيا لما منعناك فرفض سيدنا الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه شطب كلمة رسول الله فحذفها سيدنا محمد بنفسه من الوثيقة.


بل إن كفار قريش اشترطوا في صلح الحديبية أن يعيد النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إليهم المسلمين الفارين بدينهم من مكة إلى المدينة حتى إنّ أحدهم (أبو جندل نجل ممثل وفد كفار قريش سهيل بن عمرو) وصل إلى خيمة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل توقيع الصلح فطلب أبوه إعادته إليهم وإلا امتنعوا عن التوقيع على الصلح وبالفعل استجاب لهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.


لو طبقنا كلام سيد قطب في ص22 من كتابه على ما جرى في صلح الحديبية فإنّ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ساير المجتمع الجاهلي وفقد الاستعلاء والتقى معهم وبناء عليه فقد المنهج وفقد الطريق!


2- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الفضول الذي هو تحالف عدة قبائل لنصرة المظلومين "لو دعيت به اليوم في الإسلام لأجبت"


طبقا لكلام سيد قطب في كتابه فإنّ سيدنا محمد تذلل للمجتمع الجاهلي والتقى معه في منتصف الطريق وسايره وكان يفترض به رفض التحالف باعتباره نبيا مرسلا بدين ينصر المظلوم أيضا.


3- قَبِل النبي صلى الله عليه وسلم هدايا الكفار مثل هدايا المقوقس الذي خاطبه سيدنا محمد في رسالته له بقوله "إلى عظيم القبط" علما بأن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِل هدايا الرجل رغم عدم استجابته لدعوة الإسلام.


طبقا لكلام سيد قطب في كتابه فإن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التقى مع المجتمع الجاهلي في منتصف الطريق بأن خاطب المقوقس واصفا إياه بعظيم القبط ثم بأن قَبِل هداياه.


4- حين أسر ملك الروم عبد الله بن حذافة، وهو ممن حضر غزوة بدر أي من كبار الصحابة، ومعه 300 من جنوده وعرض على الصحابي أن يترك الإسلام مقابل تنصيبه ملكا على نصف مملكة الروم فرفض، أحضر الملك قدرا مغليا وألقي فيه جندي من المسلمين حتى تطايرت عظامه.


يئس الملك من تمسك الصحابي بالإسلام فأمر بإلقاءه في النار وحين شوهدت دموعه قال إنّ له نفسا واحدة وأنه يود لو كانت له أكثر من نفس تلقى الله بنفس الطريقة فأعجب ملك الروم به وعرض الإفراج عنه مقابل تقبيل رأسه فاشترط أن يفرج معه عن باقي الجنود فوافق الملك. حين وصلوا للمدينة سمع الخليفة عمر بن الخطاب قصّتهم فقال حق على مسلم أن يقبّل رأس ابن حذافة وأنا أول من يقبّل رأسه.


5- أرسل النبي صلى الله عليه وسلم صحابته وفيهم سيدنا عثمان بن عفان زوج ابنتيه إلى الحبشة لاجئين لدى ملك نصرانيّ وصفه بأنه "ملك لا يُظلم عنده أحد"


6- استأمن النبي صلى الله عليه وسلم مشركا (وليس حتى كتابيا) اسمه عبد الله بن أريقط كدليل له ولأبي بكر أثناء الهجرة سرّا من مكة المكرمة إلى المدينة المنوّرة في عملية كان من المهم أن تتم بعيدا عن أعين قريش.


طبقا لما كتبه سيد قطب "أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوّراته وألا نعدّل نحن في قيمنا وتصوّراتنا قليلا أو كثيرا لنلتقي معه في منتصف الطريق" فإن عبد الله بن حذافة رضي الله عنه كان عليه البصق في وجه ملك الروم حين عرض عليه تقبيل رأسه وكان عليه أن يصرخ في وجه ملك الروم: نحن نؤمن بعقيدة الولاء والبراء فكيف نقبّل رأسك يا جاهليّ يا قاتل إخوتنا في القدر المغلي منذ دقائق والله لن نلتقي معك في منتصف الطريق وإنّني لأشمّ رائحة الجنّة - وطبعا النتيجة المنطقية كانت ستكون تطاير عظامه من القدر المغلي ثم عظام 299 مسلما وتوتة توتة خلصت الحدوتة.

.

وحيث إن ابن حذافة لم يفعل ذلك وإنما قبل رأس الملك وأنقذ حياته وحياة جنوده فإنّه فقد المنهج كله وفقد الطريق بل طبقا لكلام سيد قطب فثاني الخلفاء الراشدين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه مهادن لملك الروم الجاهليّ إذ لم يرسل له رضي الله عنه جيشا عرمرما لأنه قتل مسلما بالمخالفة لقواعد معاملة أسرى الحروب (طبعا واضح أنّ سيدنا عمر سكت عن ملك الروم باعتباره قتل واحدا وأحيا 299).


من أخطر ما في الكتاب قول سيد قطب في صفحتي 63 و 64 ما نصّه: "ومن هذا التلخيص الجيد لمراحل الجهاد في الإسلام تتجلى سمات أصيلة وعميقة في المنهج الحركي لهذا الدين جديرة بالوقوف أمامها طويلا ولكننا لا نملك هنا إلا أن نشير إليها إشارات مجملة:

السمة الأولى: هي الواقعية الجدية في منهج هذا الدين فهو حركة تواجه واقعا بشريا وتواجهه بوسائل مكافئة لوجوده الواقعي .. إنها تواجه جاهلية اعتقادية تصورية تقوم عليها أنظمة واقعية عملية تسندها سلطات ذات قوة مادية .. ومن ثم تواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه .. تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات، وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها تلك التي تحول بين جمهرة الناس وبين التصحيح بالبيان للمعتقدات والتصورات وتخضعهم بالقهر والتضليل وتعبّدهم لغير ربهم الجليل".


إن الرجل يدعو وبشكل صريح إلى إسقاط الأنظمة

صحيح أنه لا أحد يرضى بشكل كامل عن النظم المعاصرة (كما عن النظم القديمة)

ولكن كيف يتعامل المسلم مع النظام والمجتمع من حوله؟


لو سخط كل شخص على شيء في نظام أو عمل أو بيت لما استمر رجل في مجتمع أو عمل أو بيت يوما واحدا لأن النقص سمة الحياة وطبيعة البشر بما في ذلك الأنظمة التي هي من اختراعهم وصنعهم وإدارتهم (وستظل كذلك حتى لو كانت تزعم تطبيقا لمنهج إلهي).


لقد سيم بعض أئمة المذاهب الأربعة سوء العذاب على يد خلفاء عصرهم الوارثين لمناصب الخلافة بالمخالفة لهدي النبوة، ورغم ذلك لم يفكروا ولو لثانية واحدة في إزالة النظام ومواجهة السلطة القائمة بالقوة كما يدعو لذلك سيد قطب.


بل حين ضاقت مكة قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم هاجر وتركها ثم عاد إليها فاتحا رغم أنه كان بإمكانه صلى الله عليه وسلم البقاء وتحريض الأقلية المسلمة (المتزايدة في العدد والقوة والتأثير) على إثارة القلاقل داخل المجتمع.


إن الإسلام في رأيي لم يكن أبدا دينا ودولة، وإنما هو دين ومجتمع.

والفرق بين هذا وذاك كبير جدا - والدليل على كلامي هو فرض الجزية فلو كان الإسلام دينا ودولة بالمعنى الذي يروج له تيار "الإسلام" السياسيّ لَمَا قَبِل الإسلام فرض الجزية لأنها تعني ترك قوم كافرين على دينهم يتحاكمون إلى شرائعهم مع الاكتفاء بتحصيل مبالغ مالية منهم.

بل لقد كتب القيادي الإخواني المقيم حاليا في تركيا د. توكل مسعود ما يلي في 29 مارس 2019 مفندا بشكل مباشر، دون أن يعي ذلك، فكر سيد قطب الذي قد يكون هو نفسه أحد أقطابه قائلا:

"
لا دين يقام مع قيام الفرقة، أدرك ذلك هارون بعدما بذل جهده ناصحا: "إنما فتنتم به" لكن مرحلة معينة توقف عندها: "إن القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى"، وأمر آخر: "إنى خشيت ان تقول فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى" فقبل موسى عذره، وسكت عنه القرآن فأقره، بل هو الذى نقله لنا فكان شهادة على قيامه بواجبه وأن ذلك أقصى ما كان يمكنه القيام به.

بل أدرك ذلك فرعون قبل هارون فإنها سنة لا تتخلف، والسنن لا تحابى ولا علاقة لها بصحة المعتقدات أو بطلانها !! فلما تنازع السحرة مقابل موسى أدركهم فرعون بقوله: "فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا" فإجماع الكيد هو النظام الذى التزموه، والإتيان صفا هو نبذ التفرق وجمع الكلمة.

كانت الوحدة المجتمعية هدفا من أهداف القر آن مكيه ومدنيه:

ففى مكة عانى المسلمون من الاضطهاد والأذى فى البيت الواحد خصوصا وفى المجتمع كله عموما فنزل القرآن يأمر بالإحسان إلى الوالدين فى سور الأنعام والإسراء والعنكبوت والأحقاف وكلها سور مكية ، فقد كان كثير من آباء ممن أسلموا لازالوا كفارا مثل أبى بكر ومصعب بن عمير وسعد بن أبى وقاص، وأمر ببرالآباء عموما  فى سورة مريم وهى مكية، وجعل إبراهيم نموذجا فى ذلك ، وإلى المجتمع كله فجعل الأنبياء إخوة لأقوامهم مع تكذيبهم لهم وإيذائهم إياهم فقال: "وإلى عاد أخاهم هودا" ، "وإلى ثمود أخاهم صالحا" ، "وإلى مدين أخاهم شعيبا" ، "إذ قال لهم أخوهم نوح" ، "إذ قال لهم أخوهم لوط". وكلها آيات مكية.

وفى المدينة وجد المنافقون: وجاهدهم القرآن بكل طريقة إلا أنه لم يكشف شخوصهم ولا أعلن أسماءهم ولا أمر يقتلهم،  حفاظا على الوحدة المجتمعية، وحتى قال النبى صلى الله عليه وسلم لمن أشار عليه بقتلهم: "أتودون أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه !!".
فمن هنا يفهم قول الله تعالى: "أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه". فلا قيام لدين سواء كان ربانيا حقا أو كان  بشريا باطلا  مع تنازع أهله وتفرقهم.

فالذين يحسبون أنهم سيقيمون الدين مع فرقتهم وتنازعهم وتربص بعضهم ببعض إما جاهلون واهمون وإما كاذبون مخادعون وإما منافقون مداهنون.
قابقوا معى ....
"
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid0TgxXwikEkucesvHWYYo2yZFzMdLzySzTrmDnZGX5RxZhtxnb3m2y57f6PedwewBNl&id=100010960477193



وقبلها في السادس والعشرين من نفس الشهر في نفس السنة كتب د. توكل مسعود قائلا:
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=pfbid026HTUBofDTjtMBLgwy21bKBv6bYfTVodLhZtY3dXj8EeVh2Fs8UuHJe4bEW5FYobXl&id=100010960477193

"
الدين والدولة ... 3
واما "الدولة" فمن: "دال" أى انتقل من واحد إلى غيره، ومنه قوله تعالى فى الفىء: "كى لايكون دولة بين الأغنياء منكم"، "فالدُّولة" بضم الدال انتقال المال، ومنه قولهم: "تداولته الأيدى"، ومنه قول أبى سفيان لهرقل: "ندال عليه ويدال علينا" أى نغلبه مرة ويغلبنا أخرى، "فالدَّولة" بفتح الدال الغلبة فى الحرب.
هزم المسلمون فى غزوة "أحد" فكانت "الدولة" لقريش، حتى قال الله لهم مسليا ومواسيا: "وتلك الأيام نداولها بين الناس". فلم تكن للمسلمين ذلك اليوم "دولة" لكنه ما ضر الأمة ولا أهدر نظامها ولا ضيع دينها.
"الدولة" على وزن "فَعلة" وهو اسم مرة تبدأ وتنتهى، ترتبط بالغلبة على الغير، وتتعلق بمن دالوا أى غلبوا.
لكن "الدين" نظام يحظى بالثبات والديمومة ، أديل لنا او أديل علينا، ويتعلق بالأمة لا بمجموعة من الناس ، بل إن "الدولة" تكون لنا بقدر ثباتنا على الدين وحفاظنا عليه، ثم تكون علينا بقدر تضييعنا للدين وتفريطنا فيه، وما كانت "الدولة" لقريش يوم أحد إلا لما فرط بعض المسلمين وهم الرماة فى أمر النبى صلى الله عليه وسلم.
الدولة: "نتيجة" لها مقدماتها فإذا انتفت المقدمات انتفت النتائج.
الدولة: "مسبَّبٌ" له أسبابه فإذا انقطعت الأسباب انقطع المسبَّبُ.
الدولة: "ثمرة" الدين فهل تجنى ثمار بغير أشجارها !
لذا اختار القرآن كلمة: "الدين" ولم يختر كلمة: "الدولة" فقال: "أقيموا الدين" ولم يقل: أقيموا "الدولة" ... أقيموا الدين تكن الدولة لكم، فإن لم تقيموه كانت الدولة لغيركم. ..... وابقوا معى  .... فللحديث بقية شائقة شائكة، ولا تعجل فإن العجلة من الشيطان.
#الدين_و_الدولة_فى_القرآن
"

No comments:

Post a Comment

أغسطس2014 السيسي يدافع عن حقوق الباعة الجائلين أمام هيئة الرقابة الإدارية

مصدر الخبر والصورتين: https://www.presidency.eg/ar/قسم-الأخبار/أخبار-رئاسية/الرئيس-عبد-الفتاح-السيسي-يجتمع-باللجنة-الوطنية-التنسيقية-لمكافحة...