كان مُستعصياً ولم يزل على أيّ إنسان أن يتقبل فكرة أنه عاش عمراً في خطأ وضلال، وأنه مضطر للإعتراف بذلك، أو أن بعض ما كان يؤمن به قيم ومبادئ روّج لها ودافع عنها كثيرا لم تكن قِيما ولا مبادئ، أو أنّ ما ينتهج من أسباب ووسائل قد عفا عليها الزمن، ولم يعد بالإمكان تطبيقها بعد فقدان مواءمتها وملاءمتها للواقع والأحوال .. !!
الأصعب من ذلك بكثير.. أن يضحي الإنسان تضحية عظيمة في سبيل قيمة أو فكرة أو منهج أو جماعة، ويبذل من أجلها بَذلاً عزيزاً، ويُهدر مُسترخصاً عافيته وسنين عمره، ثم يتبين له أن الفكرة لم تكن الأصوب، والمنهج لم يكن الأرشد، والقيمة قد فقدت القيمة، والجماعة قد فسدت وفقدت الشرف، ويجد نفسه مُطالَباً أن يقرّ بهذا ويعترف !!
تزاد الأمور صعوبةً وتعقيداً.. حين يبذل الإنسان عُمرا مدافعاً عن كيان ومنهج، ومنخرطاً في أنشطته وأعماله، ومتقرباً من قادته وعمّاله، حتى يرتقي فيه في الدرجات، ويصعد إلى أعلى المراتب والمناصب، حتى أنك لا تستطيع ذكر إسمه قبل سطرين من الأوصاف والألقاب، ثم يجد نفسه مضطراً للإقرار بالفساد والفشل، ومطالباً بالإنزواء والتنحي، والعودة إلى القاع بعدما جلب الدنيئة والعار !! هذا أمر عسير ولا يستطيعه أي إنسان !!
هذا يفسر لدينا حالة جماعة الإخوان، وما آلت إليه الأوضاع فيها، من فساد رائحته عفنه، وضلال سيرته وقحه، وخلاف لا تنهيه الأيام، وإعراض عن كل الأقوال، وصمم وعمى وخرس، وزور وإفك وفشل، فساد لا ينكره مبصر، وضلال لا ينفيه عاقل، ثم حين ضُربت الرؤوس، تسابق الأفراد إلى المواقع الشاغرة، وتنافسوا في مسيرة الفشل، وقدموا أداءاً هابطاً دنيئاً، ثم حين يُطلب منهم التنحي، فلا حياة لمن تنادي .. !!
ضاقت مناصب الجماعة ومواقعها بأعداد الهاربين، فما كان منهم إلاّ أقاموا نُسخاً إضافية من جماعتهم، تتيح لهم أكبر قدر من المناصب والمواقع، فجعلوها ٣ جماعات ذات هياكل مزدحمة بالمعاتيه ممن عفا عليهم، غير أنهم مصابون بجنون العظمة، يصعد أحدهم إلى المنصب فلا يبرحه أبدا إلا إلى القبر، حتى صار قادتهم كمومياوات عادت من عصور بائدة، أو شباب متغطرس، لا يستطيع أن ينسى أن تقلد مناصِباً أو وُسِّدَ ألقاباً .. !
٣ جماعات متناحرة أكبر دليل على فسادهم وضلالهم، فالحق يجمع ولا يفرق، وإنما الضلال يُعمي ويُشتت، انتهبوا أموالاً لم تكن في عُرف البشرية حقوقاً للهاربين، وتحكموا في مقدراتٍ جعلوها حكراً على الفسدة المجرمين، وتقلدوا مناصب وألقاباً كبيرة على الكفاءات التاريخية، فضلا أن تناسب العاهات الفاشلة الإستبدادية .. !
أخبرني عن فائدة واحدة مثلاً لمحمود وحسين ( مع حفظ ٣ أسطر من الألقاب ) وجماعته الضالة وأتباعه اللصوص المجرمين، وعن أي شيئ برعوا فيه غير الفساد والإستبداد وشراء الذمم والولاءات وتوزيع الألقاب وإذلال العبيد من أتباعهم الضالين، والذين يتخفون بعارهم وفسادهم خلف لجان وحسابات مستعارة ينهشون لحم كل مشكك في الذات القائمة بالأعمال، وأخبرني عن شبهة نفع أو مصلحة وراء عشرات المقرات ومئات المناصب والألقاب وأعداد من المنصات والقنوات الفضائية والمواقع والصفحات الإلكترونية ومؤسسة لحقوق الإنسان وأخرى للديمقراطية، يعمل بها آلاف الأشخاص الذين يبايعون حسين على السمع والطاعة!! أي دين هذا وأي خلق أو قيمة .. !!
أو أخبرني عن العصبة التي لم تستطع أن تنسى أنها صعدت يوما إلى مواقع العار، فلم تشأ أن تنزل، فأسسوا جماعة إخوان منفصلة، رافضين مناقشة فكرة النزول عن المناصب، بل أن أحلامهم تطورت، وعاهاتهم تفاقمت، فأسسوا مجموعة كوميدية من المراهقين، تقدم عرضاً ساخراً لطيفاً، يقولون أنهم أعدوا مشروعاً جعلهم (مؤهلين لحكم مصر)، يعرضون أنفسهم كبديل للسلطة القائمة، قادرين على الحكم من أي مكان حتى من اسطنبول، مزحة لطيفة فعلاً، وأشخاص ظرفاء للغاية .. !!
وثالث الجماعات، التي أتت متأخرة بعد امتلاء المقاعد، فأسست جماعة ثالثة مليئة بالأقسام السياسية والدينية والتربوية وغيرها.. مما وفر بها عددا لا بأس به من الألقاب والمناصب يكفي لجذب عدد كافي من مطاريد الجماعتين سالفتي الذكر، لكنهم يعملون في صمت أكثر، وهدوء أيسر، يخال لك أنك أمام دهاة إذا ما خرج كاهنهم يتحدث، والحق أنهم دهاة على المغفلين، ماكرين على المساكين، وحقيقتهم أنهم في وزن الدهاء والتدبير والحكمة لا شيئ .. !!
فليخبرني أحد المدافعين عن هؤلاء عن فائدة من ورائهم حدثت خلال ال ١٢ عاماً الأخيرة، فترة توزيع المناصب وتوسيع الهياكل، فترة مهرجان المناصب للجميع، للجميع فقط من الهاربين والمتخاذلين، ولا أتحدث عن فائدة لك شخصياً، فلربما نلت منصباً أو لقباً، أو راتباً أو أجراً، أو لربما عَدُّوك من الأشاوس الصابرين الصامدين الثابتين المستمسكين بالثوابت والأصول، المناضل في أوربا واسطنبول.. !!!
لا تتعجب حين تثور ثائرتهم على محبوس أُفرج عنه يستنكر ضلالهم وفسادهم، فلقد فعلوا كل شيئ من أجل ألا يخرج هذا الصوت يوماً، وسلكوا كل طريق من أجله تعقيد موقفهم، وإحكام إغلاق طريق النور في وجوههم، حتى تتطاول عليهم الظروف والأيام فتنحرهم، حتى لا يخرجوا يوماً يضربونهم بالنعال، ويلاحقونهم بالقِباب، جزاء خستهم وغدرتهم وفسادهم وخيانتهم !!
لا يريدون أن يذكّرهم أحد بأفعالهم الدنيئة، وخطاياهم الوضيعة، فتراهم هادئين ثابتين ما استمرت المحن والولاءات غير مبالين، يحاضرون في الصبر والثبات غير آبهين، فإذا خرج عليهم من يذكرهم بنصيبهم من البلاء والصبر والثبات، انقلبوا يتحدثون عن فضائل الهرب، والتخفي بعيداً في الأمان والترف!! ، فالصبر والثبات هذا نصيبك أنت وقدرك، أما هم فقد اصطفاهم الله بالنعيم والترف، وخيري الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا من المترفين، وفي الآخرة في ثلة الأنصار والمهاجرين .. !!!
بئس أنتم، وبئس مواقفكم، وبئس تناقضكم، وبئس ازدواجيتكم، وبئس ما تلقبون به أنفسكم !! أصوات الضحايا ستخرج وتلاحقكم، وسيشنِّع عليكم كل حرّ ويلعنكم، مهما ادعيتم من قيمة وفضيلة، ومهما تسترتم خلف التصنع والمكر، ومهما أثرتم من فتنة ووقيعة، ومهما خاطبتم بتنصل وازدواجية، ومهما حاضرتم في الفضائل الأخلاقية !!
افعلوا ما شئتم وتطاولوا دون حمرة خجل، وشنعوا على الضحايا دون بقية من وجل، واتهموا الأغراض والنوايا بانتكاس أحوالكم، وأطلقوا الترهلات فلن يُأبه لكم، ووالله لولا الضحايا ما استحققتم كلمة، وما قيلت فيكم حروف ولا جملة !!
لقد فهمت فيكم قول الله تعالى (إنه لا يحب المستكبرين)، وقول رسول الله ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر) ، هذا الداء الذي يؤدي إلى الضلال والإنتكاس، وإلى الإستمساك بالعصبية والقبلية، والتمسك بالبيوت الخربة، ويملؤ القلب بالغرور والفساد والإستبداد.. ولعلّ المتابع المنصف يدرك جيداً لماذا أصفكم بالمنتكسين !!
وأخيراً.. فمادمتم حجر عثرة حتى سأهاجمكم، وأما عن أفراد الجماعة، فلقد كانت مليئة بالفضلاء والأوفياء والمخلصين الذين انفضوا عنها حين تبين ضلالها وفسادها متمثلة في قيادات أجنحتها المتناحرة، ولا زلنا نبين لمن لم ينفض عنها وينفض يده من إثمها وفسادها لعله يتعظ، وأما الحديث عن الهاربين المنتكسين، فالمقصود بهم من انخرطوا في أجنحة الجماعة الفاسدة، وصمتوا على فسادها، وتربحوا من ورائها، ولا شأن لي بأي شخص خرج لشئون نفسه فلم ينسب لنفسه فضلا أو حقا، ولم يتعنت أو يزايد على أحد، ولم يفسد في المواقع والمناصب والمقدرات!!
واليقين.. أنّ ما جرى مدبر من الله تعالى لحكمة ورسالة، علينا أن نفهمها، وألا نوغل في التيه والضلال، والبيوت الخربة يتوجب استبدالها، والوسائل الفاسدة من الفرائض التخلي عنها، والإنتكاس له أسباب فكرية ومنهجية، لا ينبغي أن يدفعنا للغرور والإستكبار، بل للتدبر العميق ومراجعة المواقف بل والمناهج والأفكار !
"واعتبروا يا أولي الأبصار ".. !
No comments:
Post a Comment