مذكرات الصحفي بالأخبار (متقاعد / معاش حاليا) أ. محمد صلاح الزهار
(٦) وجها لوجه مع الرئيس في البر الغربي 1997
https://www.facebook.com/groups/163335907450240/posts/2179984252452052/
كانت تلك هي المرة الاولي التي رأيته وجها لوجه .. يوم الثامن عشر من نوفمبر عام ١٩٩٧ امام ساحة معبد حتشبسوت بالبر الغربي لمدينة الاقصر، في اليوم التالي لوقوع حادث الاقصر الارهابي الذي سقط خلاله اكثر من ستين قتيلا، من بينهم ثلاثة من المصريين وثمانية وخمسين من السياح اليابانيين والسويسريين، ذلك الحادث الذي اتسم اسلوب تنفيذه ببشاعه غير مسبوقة في تنفيذ الحوادث الارهابية التي شهدتها مصرمنذ بداية تسعينيات القرن الماضي.
يومها كان مبارك مستفُزا ومنفعلا بشكل غير طبيعي، وكانت هذه هي المرة الاولي التي اراه عن قرب، حيث لم يكن يفصل بيني وبينه سوي امتار قليلة، لاحظت انه كان محتقنا بشدة، وكان وجهه يميل الي الحمُرة!
يومها اقال مبارك وزير الداخلية اللواء حسن الالفي علي الهواء مباشرة امام كاميرات التلفزيون، بعد ان حقق الحادث بنفسه وتعمد ان يكشف كذب الرواية التي رواها مساعد أول وزير الداخلية لمنطقة جنوب الصعيد اللواء رضا عبد العزيز لكيفية وقوع الحادث!
فقد شاء قدر اللواء عبد العزيز مساعد أول وزير الداخلية للأمن ان يجد نفسه وجها لوجه فجأة امام رئيس الجمهورية، الذي قام، بشكل غير متوقع، بتغيير خط السير المعد له لزيارة مكان الحادث، كان من المفنرض أن يتوجه ركاب الرئيس الى ساحة معبد حتشبسوت بالبر الغرب بالأقصر ، حيث كان ينتظره كبار رجال الدولة ، ولكن الرئيس الذي كان هو الذى يقود السيارة التى تقله، توقف بالسيارة أمام البازارات التى تبعد والي 500 متر عن ساحة معبد حتشبسوت، على ما يبدو أن مشهد إغلاق البازارات أثار مشاعر سيئة فى صدر الرئيس، فهو يعلم أن إعلاق البازارات مؤشر حاول اللواء عبد العزيز تجميل وجه اجهزة الامن، في حديثه مع رئيس الجمهورية ولكن دون جدوي!
كان مقررا ان تتوقف مجموعة السيارات التي تقل مبارك امام المدخل الرئيس لمعبد حتشبسوت ليقوم بجولته داخل المكان الذي شهد وقوع تلك المجزرة البشعه، كان ضباط وجنود الحرس الجمهوري والوحدات المكلفة بالتأمين قد وصلوا المكان مبكرا واتخذوا اماكنهم، وجاء كبار رجال الدولة الي المكان واصطفوا امام مدخل المعبد، كي يكونوا في استقبال الرئيس، وكانوا بترتيب وصولهم زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية وكمال الجنزوري رئيس الوزراء وصفوت الشريف وزير الاعلام واسماعيل سلام وزير الصحة وفاروق حسني وزير الثقافة وطلعت حماد وزير شئون مجلس الوزراء، وعمر سليمان رئيس جهاز المخابرات العامة.
كان بين الموجودين اللواء حسن الالفي وزير الداخلية ، الذي كان مهموما، وكانت تبدو علي وجهه ملامح الارهاق الشديد، وكان موجود بالمكان ايضا فريق من مندوبي ومراسلي الصحف ووكالات الانباء المحلية والعربية والمحلية، وكنت بينهم ممثلا لجريدة الاخبار القاهرية .
في تلك اللحظات بدت من بعيد طلائع مجموعة السيارات التي تقل رئيس الجمهورية، واسهم في ظهورها بوضوح للجميع، ان المنطقة كلها مكشوفة وخالية من اية بنايات، وكان المعبد يوجد في مكان مرتفع، بينما كانت بداية الطريق المؤدي لمعبد حتشبسوت، الذي تسلكه السيارات المقلة لمبارك، في مستوي اقل انخفاضا بشكل واضح، ويتدرج في الارتفاع بشكل ملحوظ، وكان الطريق يمتد لعدة كيلو مترات ومتعرج بشكل كبير، ومن هنا تابع الجميع مجموعة السيارات التي تقل الرئيس بوضوح علي مدي قدومها نحو معبد حتشبسوت.
وفجأة توقف ركاب السيارات المقلة لمبارك، قبيل مدخل معبد حتشبسوت بحوالي ثلاثمائة متر، ونزل مبارك من السيارة التي كانت تقله وتبين انه كان يقود السيارة بنفسه، واختار التوقف امام مجموعة من البازارات الموجودة في محيط المعبد وكانت تبيع التحف والانتيكات للسياح، وتصادف ان كافة البازارات كانت مغلقة الابواب بعد النزوح الجماعي للسياح من المنطقة التي شهدت وقوع الحادث البشع.
هرول احد ضباط الحراسة المرافقين لمبارك الي حيث يقف كبار رجال الدولة وابلغهم بأن الرئيس بدأجولته بالمكان من امام مجموعة البازارات، وطلب منهم الانتقال سريعا الي حيث يوجد الرئيس، استجاب جميع المسئولين لطلب ضابط الحراسة ، فيما عدا وزير الداخلية اللواء حسن الالفي، الذي عنف الضابط بشدة متهما اياه بالتقصير في عدم معرفة خط سير زيارة الرئيس بدقة، كان الالفي يريد ان يكون في مقدمة مستقبلي الرئيس عند وصوله المكان، فما كان من الضابط الا ان اعتذر عدة مرات للوزير، الذي انضم الي تبع كبار رجال الدولة الذين ركضوا بأقصي سرعة صوب المكان الذي يوجد به الرئيس.
في تلك اللحظات سارع الصحفيون الذي كانوا موجودين - وكنت بينهم - بالجري بأقصي سرعة ولم نتوقف الا امام مبارك الذي كان قد بدأ حوارا مثيرا مع مساعد وزير الداخلية لمنطقة جنوب الصعيد اللواء رضا عبد العزيز، فقد تصادف ان الرئيس يعرف اللواء عبد العزيز معرفة شخصية منذ ان كان مفتشا لمباحث امن الدولة بمطار القاهرة ، ومن بعدها عمل مديرا لامن مطار القاهرة ، ثم مديرا لامن القاهرة ، وقبيل وقوع حادث الاقصر بعدة اشهر تم ترقية اللواء عبد العزيز الي منصب مساعد اول وزير الداخلية لمنطقة جنوب الصعيد (تصحيح: رضا عبد العزيز كان مساعد الوزير للأمن وليس للمنطقة أما مساعد الوزير للمنطقه لواء نبيل العشري رحمهما الله)
عندما نزل مبارك من السيارة التي كان يقودهابنفسه لمح اللواء عبد العزيز - وكان هو اكبر مسئول - في المكان ، فقد كان مسئولي الدولة كافة بعيدا عن المكان وينتظرون مبارك عند المدخل الرئيس لمعبد حتشبسوت.
ادي اللواء عبد العزيز التحية العسكرية للرئيس ، رغم انه كان يرتدي الملابس المدنية ، لم يعبأ مبارك برد التحية واضطر لمصافحة اللواء عبد العزيز الذي مد يده لمصافحة مبارك.
باغت مبارك اللواء عبد العزيز قائلا : هو ايه اللي حصل يارضا ؟
قال اللواء رضا : ابدا يافندم ، همه جم من هنا، واشار بيده الي التل الموجود خلف معبد حتشبسوت.
كان اللواء عبد العزيز يريد ان يوحي لمبارك ان الهجوم الارهابي علي معبد جاء من الخلف، بما يعني انه مباغتا لرجال الشرطة .
وحاول اللواء عبد العزيز استكمال ورايته ، ولكن مبارك قاطعه محدثا الموجودين في المكان وقال : استني يارضا .. حد فيكوا كان موجود وشاف اللي بيقول عليه رضا ؟
رد احد الموجودين وقال : انا يافندم مسئول الاسعاف ، وجيت في المكان هنا بعد سبع دقايق من الهجوم .
رد مبارك بسرعة : لأ .. انا مش عاوز اسمع اللي جه بعد سبع دقايق ، انا بأسأل عن اللي كانوا موجودين ساعة الهجوم .
فوجئ الجميع بصوت ينطلق من خارج الدائرة المحيطة بمبارك قال صاحب الصوت : انا ياباشا .. انا موجود هنا مالاول ، وشوفت كل حاجة .
نظر الجميع ناحية صاحب الصوت وتبين انه رجل تجاوز السبعين من العمر، وكان مفترشا الارض وتبدو عليه اثار تقدم العمر ، وكرر ماقال : ياباشا ان كنت هنا من الاول وشوفت كل حاجة .
نظر مبارك لحراسه، وقال : هاتوه .
لحظات سريعه مرت ، كان الرجل بعدها يقف امام مبارك بين يدي الحراس.
وضع مبارك يده علي كتف الرجل وقال : شوفت ايه ؟
قال الرجل : ياباشا .. هم جم من هنا مطرح ما سيادتك واقف وكانوا راكبين عربية بيجو سبعة راكب ، وضربوا نار علي عم محمد الصول بتاع شرطة السياحة، وعل عم محمد بتاع مصلحة الاثار، وموتوهم ، وبعدين جريوا ناحية المعبد، ودخلوا جوه موتوا السياح !
فنظر مبارك الي اللواء عبد العزيز مرة اخري - دون ان يعلق - وقال : وبعدين يارضا حصل ايه ؟
وبدا اللواء عبد العزيز وهو يحاول التخلص من حالة الارتباك التي المت به ، وقال : وبعدين يافندم الجناة خرجوا من المعبد، وطلعوا من هنا - واشار رضا عبد العزيز الي التل الموجود خلف معبد حتشبسوت - وكانوا عاوزين يروحوا وادي الملكات ، عشان يكملوا مخططهم بقتل مجموعة اخري من السياح .
قاطع مبارك اللواء عبد العزيز وقال : فين بتاع الاسعاف .
فقال مندوب الاسعاف : ايوه يا فندم .. انا هنا سيادتك .
فقال له مبارك : ها شوفت إيه ؟
قال مندوب الاسعاف : لأ سيادتك .. همه ما طلعوش ورا المعبد زي الباشا ما بيقول .. همه جم هنا - واشار بيده الي مكان انتظار حافلات السياح - واضاف : كان الاتوبيس اللي كان مع الفوج السياحي مستنيهم لما يخلصوا زيارتهم ، وكان السواق قاعد في الاتوبيس ، فهمه سيادتك طلعوا الاتوبيس، وههدوا السواق بالرشاشات اللي كانت معاهم ، وطلبوا منه انوا ياخدهم بالاتوبيس يوديهم وادي الملكات ، والسواق كان عارف انوا فيه فوج سياحي هناك ، فمشي بيهم عكس الطريق ، فواحد منهم حس ان السواق ماشي غلط بالاتوبيس ، فضربوا بالنار ، والسواق عمل نفسوا مات ، فهموا سابوا الاتوبيس ونزلوا علي مشيوا علي رجليهم !
وهنا قاطع مبارك مندوب الاسعاف ونظر من جديد ناحية اللواء رضا عبد العزيز مساعد اول وزير الداخلية ، وقال : وبعدين يا رضا .. حصل ايه ؟
واضطر اللواء عبد العزيز استكمال روايته للحادث، علي الرغم من انه بات متأكدا ان مبارك لا يصدق كلمة واحدة مما يقول وقال : وبعدين يافندم .. لما نزلوا من الاتوبيس ومشيوا علي رجليهم ، قابلهم ضابط شرطة ومعاه مجموعة من العساكر، اتعامل معاهم .
وهنا قاطعه مبارك : الضابط اللي بتقول عليه ده .. قابلهم هناك يا فندم عند اول الطريق ده.
واشاراللواء رضا عبد العزيز بيده تجاه الطريق الرابط بين مدينة الاقصر ومعبد حتشبسوت ، وهو ذات الطريق الذي سلكه مبارك للوصول للمكان.
فانفعل مبارك بشدة وقال لرضا عبد العزيز مستنكرا : يعني انته عاوز تقول ان اقرب قوة للشرطة ، في المكان كانت عند اول الطريق ده، واشار مبارك بكلتي يديه واستكمل كلامه قائلا : يعني كل المكان ده مفيهوش شرطة خالص .
فقال رضا عبد العزيز محاولا استكمال هدفه في تجميل صورة الشرطة .. قال : اصل يا فندم لما فصلوا شرطة السياحة عن الاثار اتوزعت القوات بين الاثار والسياحة.
لم يدع مبارك اللواء عبد العزيز يكمل كلتمه وقال : طبعا قسمتوها عشان تاخدوا فلوس من هنا وفلوس من هنا .
واستدار مبارك حول نفسه ليجد اللواء حسن الالفي في مواجهته ، فقال له مستنكرا : امال فين الاستراتيجيات والخطط الامنيه اللي كنا بنسمع عنها ، ورفع يديه مشيرا للمكان واستكمل كلاموا : كل المكان ده مفيهوش قوات شرطة ، وانته قاعد في القاهرة بس ، طب خليك بقه قاعد في القاهرة !
وهنا ايقن الجميع ان هناك وزير جديد للداخلية، وهو ما حدث في ذات اليوم بعد ساعات قليلة، حيث كلف مبارك اللواء حبيب العادلي بوزارة الداخلية خلفا للواء حسن الالفي.
===
تعليق:
مبارك وصف توزيع القوات حسب الخطة الأمنية وقال: "دى خطة تهريج" بانفعال شديد لما اللواء رضا قال إن أقرب قوة متمركزة على بعد ٥ كيلو وكذلك وجه كلام شديد اللهجة إلى اللواء رضا وقال "أنتم فشلتوا"
===
تعليق من مصوّر: في الغالب أنا صاحب الصورة يا صديقي و سمعت فعلا كلمة ده مش أمن ده تهريج.
===========
فى وش المدفع .. !
https://www.facebook.com/groups/163335907450240/posts/2186855291764948/
في اواخر شهر نوفمبر من العام ١٩٩٥، وجدت نفسي طرفا في ازمة غريبة دون ان ادري، الازمة كان طرفا فيها مكتب الرئيس مبارك، ووزير الداخلية اللواء حسن الالفي ورئيس جهاز مباحث امن الدولة اللواء احمد العادلي، حيث كان صراعا حادا قد نشب بين الرجلين لاسباب عديدة، ووصلت الامور بينهما الي طريق مسدود اكثر من مرة، وكانت الامور تسوي بينهما، ولكن سرعان ما كانت التأزم يعود للعلاقة بين الرجلين، وتأزمت الأمور بإلتزام اللواء العادلي بيته، طالبا إبلاغ رئيس الجمهورية بعدم رغبته فى إستكمال عمله كرئيس لجهاز أمن الدولة!
***
في ذلك اليوم فوجئت بإستدعاء عاجل للقاء اللواء حسن الالفي وزير الداخلية بمكتبه بالوزارة، ابلغني بالاستدعاء اللواء رؤوف المناوي مساعد الوزير المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية .. وصلت الي مقر الوزارة والتقيت اللواء المناوي بمكتبه، وفاجئني بالمهمة.
كان اللواء المناوي من ابرز قيادات وزارة الداخلية في تلك المرحلة ، وكان من أصحاب الأفق الواسع والإدراك الواعي لاهمية الإعلام في مخاطبة الرأي العام ، وايضاً كان من القيادات الأمنية التي تدرك أهمية تحقيق التكاملية والتداخل بين مختلف قطاعات الرأي العام ، واجهزة الأمن ، منطلقا من قاعدة ان جهاز الأمن الذي يعمل بمعزل عن الناس ودعمها وتعاونها الواعي الإيجابي ، لن يستطيع تحقيق الأمن بمفهومه الشامل .
والحقيقة هناك تجارب وذكريات كثيرة أتعشم ان تتاح الظروف لروايتها عن اللواء رؤوف المناوي.
قال اللواء المناوي : الوزير عاوزك تروح لصاحبك دلوقتي حالا، عشان يبلغ الرئيس مبارك بالرد اللي هاتجيبوا !
تعجبت بشدة من المفاجأة وقلت بعفوية واستغراب وربما برهبة شديدة: الرئيس مبارك وانا .. ياخبر اسود، وصاحبي مين؟!
ضحك اللواء المناوي وقال: صاحبك احمد بيه العادلي .
قلت مستفسرا، وكنت لا ازال مستغربا: احمد بيه العادلي مدير مباحث امن الدولة؟!
رد المناوي: ايوه .. ايه هو مش صاحبك ولا ايه ؟
قلت: ايوه صاحبي .. بس .
لم يتركني اللواء المناوي اكمل وقال: شوف يا سيدي .. انته طبعا عارف ان الوزير واحمد بيه العادلي واقعين مع بعض واقعه كبيرة، من فترة .
قلت: ايوه عارف .
اضاف: وانته عارف برضوا ان انا حاولت كذا مرة اصلح الامور بينهم اكتر من مرة، وفعلا جمعتهم اكتر من مرة وصلحتهم مع بعض، انما بقي ولاد الحلال، اتدخلوا ووقعوا بينهم تاني.
قلت: عارف.
قال: احمد بيه العادلي امبارح بالليل، قال لمدير مكتبه يقول لمدير مكتب الوزير يقول للوزير يقول للرئيس مبارك ان احمد العادلي مش عاوز يشتغل وعاوز يستقيل، والتزم منزله!
تعجبت بشدة وضحكت وقلت: وبعدين ؟
قال: الوزير جابني الصبح، وقاللي شوف هانتصرف ازاي في الموضوع ده ؟.
واصاف المناوي: وطبعا الوزير خايف ان احمد بيه العادلي يتصل بمكتب الرئيس ويبلغوا بالكلام ده، وعشان كده عاوز يعرف اخر كلام عند احمد العادلي عشان هو اللى يبلغ الرئيس مش حد تاني!
قلت وقد امتزجت المشاعر بداخلي بين الاستغراب والرهبة: طب وانا مالي ياباشا بالموضوع ده؟
قال: اصبر ما انا جايلك في الكلام .
قلت: اتفضل سيادتك.
قال: بعد ما درست الموضوع مع الوزير من كل النواحي، انا قولت للوزير مفيش غيرك في مصر اللي يقدر يتكلم مع احمد بيه العادلي ويقدر يقنعوا انه يتراجع عن قراره بالاستقالة، فالوزير وافق وقالي خلاص ابلغك بالتكليف، وهو مستني الرد منك بأقصي سرعة، عشان يبلغ الرئاسة!
قلت معاتبا: بعني ياباشا بتلبسني في الحيط !
فضحك الرجل وقال: لا حيطة ولا حاجة، علاقة الثقة بينك وبين احمد بيه العادلي معروفة جدا ، والراجل بيحبك وبيثق فيك وفى أرائك، والوزير برضوا بيحترمك، وعشان كده وافق علي تكليفك بالمهمة دي.
واضاف: وانا والله حاولت اكلم احمد بيه العادلي اكتر من مرة، انما ما ردش عليا، وحاسبني من ضمن شلة الوزير، ورافض اي وساطة مني بينه وبين الوزير.
قلت بتردد: بس اصل !
قاطعني اللواء المناوي وقال: انتهي الموضوع، احمد بيه العادلي في البيت، ادي التليفون قوم كلم الراجل هو في التليفون، وأستأذنوا انك تعدي عليه في البيت دلوقتي.
وقام المناوي بإلتقاط أحد سماعات التليفون الموجودة على مكتبه وقدمها لي.
بالفعل كانت تربطني باللواء أحمد العادلي علاقة انسانية وثيقة للغاية، تجاوزت علاقة صحفي بمصدر مهم للأخبار، ورغم ما لهذه العلاقة من ميزات عديدة كانت تتيح لي أحيانا الحصول على أدق الأخبار واهمها قبل كثيرين، وفى أحيان اخري كنت تتيح لي الاطلاع على أخبار مهمة للغاية لا يتمكن غيري من الصحفيين الإطلاع عليها أو معرفتها، ورغم هذا ورغم سعادتي بالعلاقة الخاصة باللواء احمد العادلي، ألا إني اشدد وأقول لمتابعيني من الزملاء الصحفيين الأحدث ، أن مثل هذا التقارب فى العلاقات بين الصحفيين ومصادر الأخبار المهمة يمكن أن يجذبك لتكون أحد الأطراف فى أزمة أو تطور ما، والحقيقة فإني أؤكد إني استطعت تجاوز الإنحياز مع أي من الأطراف المؤثرة أنذاك، تمكنت من تنفيذ ذلك بصعوبة !
وأشهد أن فترة تولي اللواء أحمد العادلي مهام رئاسة جهاز مباحث أمن الدولة، ستبقي مرحلة فارقة فى تاريخ هذا الجهاز على مدي تاريخه، فقد سجل الرجل خلال رئاسته للجهاز إنجازات ونجاحات أمنية هائلة، فة مواجهة التيارات الدينية العنفية فى الداخل والخارج (سترد كافة التفاصيل فى قسم خاص بهذا المؤلف سيكون عن دور جهاز الأمن فى عصر مبارك).
كما اشرت فقد كانت العلاقة الخاصة بيني وبين اللواء أحمد العادلي تسمح لي بأن اهاتفه علي ارقام الهواتف الخاصة به شخصيا، سواء في المكتب او المنزل، دون ان يكون بيننا سكرتير او مدير مكتب.
رفعت السماعة وطلبت رقم الهاتف الخاص بمنزل اللواء احمد العادلي، القيت عليه التحية، فرد بطريقته المعهودة عندما يكون منفعلا.
بعد تبادل التحيات والسلامات، قلت له مباشرة: اسمحلي يافندم انا اعاوز امر علي سيادتك في البيت عشر دقايق في امر مهم .
قال الرجل: اهلا وسهلا .. تعالي انا مستنيك .
اغلقت السماعة، وفوجئت باللواء المناوي الذي كان يتابع المكالمة بتحفز يقول: هايل .. ياللا يا عم .. سيب عربيتك في جراج الوزارة، في عربية مستنياك خدها وروح قابل الرجل!
في هذه اللحظات دخل الي مكتب اللواء رؤوف المناوي اللواء ابراهيم موسي مساعد وزير الداخلية وكنت علي معرفة وصداقة به منذ سنوات طويلة، قام اللواء موسي بمصافحتي ومصافحة اللواء المناوي.
اللواء المناوي لم يدع اللواء موسي يجلس وقال موجها كلامه لي: ياللا يا عم.. ابراهيم هايروح معاك لاحمد العادلي، ولم يتركني استفسر وقال: ابراهيم عارف كل حاجة.
وغادرنا مكتب اللواء المناوي .. اللواء ابراهيم موسي وانا، وغادرنا مقر وزارة الداخلية متوجهين الي منزل اللواء احمد العادلي .
كان اللواءابراهيم موسي - في ذلك الوقت - من كبار قيادات وزارة الداخلية، حيث كان يشغل متصب مساعد وزير الداخلية لشرطة الكهرباء، وكانت تربطه علاقة صداقة قوية باللواء احمد العادلي، تعود الي فترة دراستهما في المرحلة الثانوية، وكان هو الصديق الوحيد للواء العادلي، من بين كافة قيادات وزارة الداخلية، وهو ما دفع اللواء المناوي الي استدعائه بأمر من الوزير ليصحبني في تلك المهمة.
***
وصلنا الي منزل اللواء احمد العادلي في ضاحية الماظة بشرق القاهرة، عند مدخل العمارة التقانا وقام بإصطحابنا احد حراس اللواء العادلي، بعد ان اخبره لاسلكيا بحضورنا.
بمجرد ان دخلنا الي القاعة التي يجلس فيها اللواء احمد العادلي فوجئنا بهجوم لفظي عنيف ولوم شديد منه تجاه اللواء ابراهيم موسي!
كان اللواء احمد العادلي يعتقد أن اللواء ابراهيم موسي جاء بتعليمات وزير الداخلية بإعتبار اللواء موسي أحد مساعدي وزير الداخلية.
وكانت العلاقة الشخصية بين اللواءين العادلي وموسي قديمة وتعود الى أيام الدراسة الثانوية، وكانت بينهما مساحة واسعة من الود، تسمح بهذه الحدة التى وجدتها من اللواء أحمد العادلي فى مخاطبته للواء إبراهيم موسي الذى لم يجد أمامه لتخفيف حدة التوتر الى مباغتت اللواء العادلي : قائلا .. انته مش ها تطلبلنا حاجة نشربها ولا ايه ؟
وعندما تلمست عودة اللواء العادلي الى هدؤه، بادرته محاولا فتح حوار معه، ولكنه فاجئني قائلا: انا عارف بقي انك هاتقعد تتلكم وتلف وتدور، عشان تقنعني باللي انته عاوزه!
قلت : لا والله .
ولم يتركني أكمل .. وقال : انته عارف ان الناس دي .. وقال كلمة نابية نابية !
(كان يقصد عدد من المقربين وزير الداخلية اللواء حسن الألفي)
قلت : عارف
قال بإنفعال: طب لما انته عارف .. عاوز تخليني أكمل شغل معاهم ليه؟
قلت محاولا التأثير عليه وإثناءه عن موقفه : أيوه .. هو حضرتك بتشتغل عشان الناس دي ولا عشان البلد ؟
قال : ما انته عارف .. وشوفت السنين اللى فاتت عملنا ايه انا والضباط فى الجهاز عشان خاطر البلد وامنها.
قلت : ايوه طبعا .. انا شاهد .. وعشان كده انا عاوز سيادتك تكمل جهودك مع افراد الجهاز عشان خاطر البلد .. مش عشان خاطر أي حد تاني.
وبعد أخذ ورد لفترة ليست بالقليلة، نجحت بعدها فى تهدئة وتيرة ردود أفعال اللواء العادلي بادرته
وعندما لمست بعض الإستجابة فى نبرة صوت وطريقة رد فعل اللواء أحمد العادلي، رغم انه كان محتدا لأقصي درجة ومصرا على عدم استكمال مهمته كرئيس لجهاز أمن الدولة .. قلت : طب اسمحلي يافندم .. حضرتك عارف تقديري واحترامي لحضرتك .. أنا مش عاوز حضرتك تغير رأيك او كلامك .. انا بس باقترح فقط ان سيادتك تاخد مهلة أسبوع مثلا .. خد اجازة روح الساحل .. ريح شوية، وبعدين خد قرارك براحتك .. وأنا ارجع ابلغ السيد الوزير ان سيادتك فى اجازة اسبوع، وان سيادتك هاتبلغه بقراراك بعد الإجازة.
وبعد جدل شديد من اللواء أحمد العادلي، ولكنه كان بحدة أقل، وافق على ما اقترحته .
وغادرنا منزل اللواء احمد العادلي .. ومرت الأزمة وعاد اللواء أحمد العادلي الى عمل ، ولكن لم يستمر التفاهم بينه وبين الوزير طويلا .. الى أن وصلت الأمور لطريق مسدود يوم السادس من فبراير عام 1996 .. ترك على أثرها اللواء أحمد العادلي منصبه كمساعد أول لوزير الداخلية لجهاز مباحث من الدولة، ليشغل منصب مساعد الوزير للأمن الإقتصادي .. ولهذه التطورات تفصايل أخري سترد فى موضع أخر وبالتفاصيل من كتاب عشت عصر مبارك .. الذى أوشك على الإنتهاء منه قريبا .
No comments:
Post a Comment