في نهاية عام 1991 وأثناء دخولي كلية دار العلوم بجامعة القاهرة فوجئت باسمي واثنين آخرين من المنتمين إلى الجماعة الإسلامية معلقا على باب الكلية في إعلان مفاده أننا مطلوبون للتحقيق معنا وعلينا التوجه إلى السيد محقق الكلية فورا.
ذهبت إلى مكتب المحقق الأستاذ الشرنوبي فاستقبلني الرجل استقبالا طيبا وأحضر لي زجاجة كوكاكولا.
كنت قبل هذه الحادثة قد تعرضت للاعتقال مرتين وفي إحداها مثلت أمام النيابة العامة مرتين إحداها في الجيزة والثانية في مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، وذلك قبل تنفيذ قرار الاعتقال، أي أنني كنت ولله الحمد أمتلك خبرة كافية في التحقيقات وكيفية التعامل معها، أضف إلى ذلك أن تحقيق الأستاذ الشرنوبي كان تحقيقا إداريا.
قلت له لماذا تريدون التحقيق معي؟ (كنت أعرف طبعا السبب)
فرد علي لأنك اشتركت في مظاهرة مناهضة لنظام الحكم وقمتم بسب الرئيس مبارك سبا شديدا.
والحاصل أننا في العام الدراسي 1991-1992 تعرضنا كجماعة إسلامية لتضييق شديد على أنشطتنا الطلابية داخل الكلية فتم تحذير الأساتذة من الموافقة على الإشراف على الأسرة الطلابية التابعة لنا وبالتالي حرمنا من ممارسة أي نشاط لأنها كانت تتم عبر الأسرة الطلابية.
انتهزنا فرصة الانتخابات الطلابية التي كانت تتم على يومين وقررنا تنظيم مظاهرة في الجامعة بحيث تنطلق من كلية دار العلوم وتسير صوب الكليات الأخرى.
وبالفعل شاركت في مظاهرات اليوم الأول لكن في اليوم التالي لم أشارك لارتباطي بالعودة إلى الإسماعيلية.
وقدرا سألني الأستاذ الشرنوبي عن مشاركتي بمظاهرات يوم كذا وواجهني بتاريخ اليوم الذي لم أكن موجودا فيه فأراحني فأكدت له أنني لم أشارك بل وأقسمت له على ذلك وأنا صادق فعلا ففي ذلك اليوم لم أكن موجودا في الجامعة كلها.
واجهني بالهتافات التي تم ترديدها في المظاهرة فاكتشفت فعلا أنها كانت حادة جدا جدا وقلت في نفسي: احنا إزاي قلنا الكلام ده؟؟ ههههههههه
انتهى التحقيق وأخبرني أن نتيجته ستظهر لاحقا، فخرجت من عنده فوجدت أحد الزملاء المحولين معي للتحقيق فاتفقنا على ضرورة الدخول لعميد الكلية وهو أستاذ الشريعة العالم الجليل د./ محمد بلتاجي رحمه الله
وكان عصبيا بعض الشئ لكنه طيب جدا ومتسامح للغاية ومحب للطلاب، طرقنا الباب وولجنا إلى مكتبه الكبير.
فقال لنا: نعم عاوزين إيه
قلنا: لقد تم تحويلنا إلى التحقيق فعرفنا على الفور
فرد علينا بعصبيته الجميلة: نعم تستحقون التحقيق والجزاء، رئيس الجامعة أرسل إلي لتحويلكم إلى النيابة العامة لكني خالفت تعليماته واكتفيت بالتحقيق الإداري
قلت له: ورئيس الجامعة يعرفنا منين؟
فاختفت عصبيته ورد علي بصوت أبوي: يا بني فيه مرشدين وسطكم وهما اللي بعتوا أسماءكم، احنا الأساتذة بيننا من يكتب فينا تقارير
ثم عاود عصبيته وقال: ثم لماذا تسبون الرئيس؟ ده ينفع
وأثناء الحوار دخل الدكتور/ صلاح سلطان- فك الله أسره- المكتب واستمع إلى الحوار فحاول يلطف الأجواء كعادته لكنه فشل إذ كان الدكتور بلتاجي مصرا على موقفه.
خرجنا من عنده وتوجهنا إلى قائد الضابط قائد حرس الكلية في مكتبه، وسألناه عن سبب إحالتنا على التحقيق فتحدث معنا بود وقال لماذا لا تجلسون مع ضابط مباحث أمن الدولة المسؤول عن الجامعة وتنهون هذه المشكلة قلنا لا مانع.
توجهنا إلى مكتبه في اليوم التالي وبالفعل وجدنا ضابط أمن الدولة ينتظرنا وكان مهذبا جدا في الحديث معنا، وسألنا لماذا نظمتم هذه المظاهرة التي نلتم فيها من الرئيس بهذا الشكل، فقلنا له: لأنكم ضيقتم علينا السبل ولم يعد أمامنا من طريق لممارسة النشاط الطلابي.
فقال: ماذا تريدون؟ قلنا: نريد تأسيس أسرة طلابية وإقامة معرض للكتاب داخل الجامعة ومطالب أخرى فوافق عليها شريطة عدم تنظيم مثل هذه المظاهرات مرة أخرى فوافقنا طبعا.
وبالفعل أسسنا الأسرة الطلابية وأقمنا معرضا كبيرا للكتاب وأنشطة أخرى، المفارقة أنه بعد تلك الجلسة اختفى الحديث تماما عن التحقيق ولم نسمع عنه شيئا نهائيا حتى انتهى العام الدراسي وتخرجت بعده من الكلية
أعلاه نقلا عن حساب فيسبوك باسم سمير العركي يزعم أنه يعمل حاليا في قناة تركيا بالعربي
TRT
وأنه درس في كلية دار العلوم ويكتب شهادته عما دار من أحداث حينها:
وهنا رابط حسابه نفسه:
https://www.facebook.com/Kaeom.alsauad
وكتب أيضا في 12 يونيو 2026:
في عام 1996 تم ترحيلي إلى سجن ليمان طره بالقاهرة لأداء امتحانات كلية الآداب قسم التاريخ بجامعة القاهرة، التي التحقت بها عقب انتهائي من الدراسة في كلية دار العلوم.
في سجن الليمان أدخلوني إلى عنبر التجربة وهناك التقيت بمحمود نور الدين رحمه الله قائد تنظيم ثورة مصر.
هذا التنظيم الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في مصر في الفترة ما بين عام 1984 إلى عام 1987، حيث تمكن من تنفيذ عمليات مسلحة ضد مسؤولين أمنيين ودبلوماسيين إسرائيليين دون أن يتم التوصل إليه وآخرهم مديرة الجناح الإسرائيلي في معرض القاهرة الدولي للكتاب.
كان التنظيم لغزا حقيقيا بالنسبة لأجهزة الأمن قبل أن يتم الكشف عنه ويتضح أنه تنظيم ناصري يقوده ضابط مخابرات سابق اسمه محمود نور الدين والمفاجأة المدوية أن الذي كان يموله خالد ابن الرئيس السابق جمال عبد الناصر.
أما المفارقة المؤلمة أن الذي أرشد عن التنظيم للسفارة الأمريكية بالقاهرة هو أحمد عصام شقيق محمود نور الدين حيث تواصل معهم وأمدهم بجميع المعلومات التي تخص التنظيم حيث كان واحدا منه.
سعدت حينها عندما وجدت نفسي وجها لوجه أمام محمود نور الدين في عنبر التجربة كان طويل القامة يرتدي جلبابا أزرقا وممسكا بسبحة طويلة فقد كان إنسانا متدينا دائم الذكر. ورغم تقدمه في السن إلا أنه كان لا يزال محتفظا بصحته ووسامته.
لن أنسى له إكرامه لنا ومسارعته بإرسال الأطعمة إلينا وما نحتاجه في الزنازين من لوازم الحياة وسؤاله عنا فقد كان شهما كريما ذا هيبة ووقار.
وذات يوم طلبت منه أن يترجم له قصة قصيرة من الإنجليزية التي يجيدها لعمله طويلا في السفارة المصرية في بريطانيا، فلم يتأخر وسهر عليها حتى أنهاها.
غادرنا ليمان طره وأنا أحمل له امتنانا في نفسي لإحسانه إلينا إذ كنا في محنة تتعمق يوما بعد الآخر.
وفي عام 1998 تقريبا وصل إلي خبر في سجن استقبال طره بوفاة محمود نور الدين بسبب مرض أصابه فحزنت عليه إذ كنت أتمنى مقابلته خارج السجن
رحمه الله رحمة واسعة وغفر له وعوضه الفردوس الأعلى من الجنة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق